أحمد بن محمد القسطلاني

308

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من ، في قوله : ومن فيهن ، دون : ما ، تغليبًا للعقلاء على غيرهم . ( ولك الحمد ، لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، نور السماوات والأرض ) ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : " ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض " بزيادة : أنت ، المقدرة في الرواية الأولى ، فيكون قوله فيها : نور : خبر مبتدأ محذوف ، وإضافة النور إلى السماوات والأرض للدلالة على سعة إشراقه ، وفشوّ إضاءته وعلى هذا فسر قوله تعالى : { اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ } أي منوّرهما يعني : أن كل شيء استنار منهما واستضاء . فبقدرتك وجودك ، والأجرام النيرة بدائع فطرتك ، والعقل والحواس خلقك وعطيتك . قيل : وسمي بالنور لما اختص به من إشراق الجلال ، وسبحات العظمة التي تضمحل الأنوار دونها ، ولما هيأ للعالم من النور ليهتدوا به في عالم الخلق . فهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق لغيره فيه ، بل هو المستحق له المدعوّ به { وللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } وزاد في رواية أبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : ومن فيهن . ( { ولك الحمد ، أنت ملك السماوات والأرض } ) كذا للحموي ، والمستملي ، وفي رواية الكشميهني : لك ملك السماوات والأرض ، والأوّل أشبه بالسياق ، ( ولك الحمد ، أنت الحق ) المتحقق وجوده . وكل شيء ثبت وجوده وتحقق فهو حق ، وهذا الوصف للرب جل جلاله بالحقيقة والخصوصية لا ينبغي لغيره ، إذ وجوده بذاته لم يسبقه عدم ، ولا يلحقه عدم ، ومن عداه ممن يقال فيه ذلك فهو بخلافه . ( ووعدك الحق ) الثابت المتحقق ، فلا يدخله خلف ولا شك في وقوعه ، وتحققه ، ( ولقاؤك حق ) أي : رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع ، أو لقاء جزائك لأهل السعادة والشقاوة . وهو داخل فيما قبله . فهو من عطف الخاص على العام ، وقيل : ولقاؤك حق ، أي : الموت ، وأبطله النووي . ( وقولك حق ) أي : مدلوله ثابت ( والجنة حق ، والنار حق ) أي كل منهما موجود ( والنبيون حق ، ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حق ، والساعة حق ، ) أي : يوم القيامة . وأصل الساعة الجزء القليل من اليوم أو الليلة ، ثم استعير للوقت الذي تقام فيه القيامة ، يريد فيه القيامة ، يريد أنها ساعة خفيفة ، يحدث فيها أمر عظيم . وتكرير الحمد للاهتمام بشأنه ، وليناط به كل مرة معنى آخر ، وفي تقديم الجار والمجرور إفادة التخصيص ، وكأنه عليه الصلاة والسلام ، لما خص الحمد بالله ، قيل : لم خصصتني بالحمد ؟ قال : لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات إلى غير ذلك . فإن قلت : لم عرّف الحق في قوله : أنت الحق ، ووعدك الحق ، ونكر في البواقي ؟ قال الطيبي عرفها للحصر ، لأن الله هو الحق الثابت الدائم الباقي ، وما سواه في معرض الزوال ، قال لبيد : ألاَ كل شيء ما خلا الله باطل وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره . وقال السهيلي : التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة ، إذ هو مقتضى هذه الأداة . وكذا : في وعدك الحق ، لأن وعده كلامه ، وتركت في البواقي لأنها أمور محدثة ، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته ، وبقاء ما يدوم منه علم بالخبر الصادق لا من جهة استحالة فنائه . وتعقبه في المصابيح بأنه يرد عليه قوله في هذا الحديث : وقولك حق ، مع أن قوله كلامه القديم فينظر وجهه . اه - . قال الطيبي : وهاهنا سر دقيق ، وهو : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نظر إلى المقام الإلهي ، ومقربي حضرة الربوبية ، عظم شأنه ، وفخم منزلته ، حيث ذكر النبيين . وعرفها باللام الاستغراقي ، ثم خص محمدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، من بينهم ، وعطفه عليهم ، إيذانًا بالتغاير ، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به ، فإن تغير الوصف بمنزلة التغير في الذات . ثم حكم عليه استقلالاً بأنه حق ، وجرده عن ذاته كأنه غيره ، وأوجب عليه تصديقه . ولما رجع إلى مقام العبودية ونظر إلى افتقار نفسه ، نادى بلسان الاضطرار في مطاوي الانكسار : ( اللهم لك أسلمت ) أي انقدت لأمرك ونهيك ( وبك آمنت ) أي : صدقت بك وبما أنزلت ( وعليك توكلت ) أي : فوّضت أمري إليك ( وإليك أنبت ) : رجعت إليك مقبلاً بقلبي عليك ( وبك ) أي : بما آتيتني من البراهين والحجج ( خاصمت ) من خاصمني من الكفار ، أو بتأييدك ونصرتك قاتلت ( وإليك حاكمت ) كل من أبى قبول ما أرسلتني به . وقدم جميع صلاة هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص ، وإفادة