أحمد بن محمد القسطلاني

270

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والشيء بالشيء يذكر ، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا ، فيحصل الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة . قاله ابن المنير في الحاشية . فإن قلت : هل كان عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك ولا يتعوّذ ؟ أو كان يعوذّ ولم تشعر به عائشة ؟ أو سمع ذلك عن اليهودية فتعوّذ ؟ . أجاب التوربشتي : بأن الطحاوي نقل : أنه ، عليه الصلاة والسلام ، سمع اليهودية بذلك ، فارتاع ثم أوحي إليه بعد ذلك بفتنة القبر ، أو : أنه عليه الصلاة والسلام ، لما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية ، وسألته عنه ، أعلن به بعد ما كان يسر ، ليرسخ ذلك في عقائد أمته ، ويكونوا منه على خيفة . اه - . 1050 - " ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَبًا فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَرَجَعَ ضُحًى . فَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ ظَهْرَانَىِ الْحُجَرِ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ ، وَانْصَرَفَ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ " . ( ثم ركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذات غداة مركبًا ) بفتح الكاف ، وذات غداة هو من إضافة المسمى إلى اسمه ، أو : ذات ، زائدة ( فخسفت الشمس ) بالخاء والسين المفتوحتين ( فرجع ضحى ) بضم الضاد المعجمة مقصورًا منوّنًا ارتفاع النهار ، ولا دلالة فيه على أنها لا تفعل في وقت الكراهة ، لأن صلاته لها في الضحى وقع اتفاقًا فلا يدل على منع ما سواه ( فمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين ظهراني الحجر ) بفتح الظاء المعجمة والنون على التثنية ، والحجر بضم الحاء المهملة وفتح الجيم ، جمع : حجرة بسكون الجيم . والألف والنون زائدتان ، أي : ظهر الحجر ، أو الكلمة كلها زائدة ( ثم قام يصلّي ) صلاة الكسوف ( وقام الناس وراءه ) يصلون ( فقام قيامًا طويلاً ) قرأ فيه نحو سورة البقرة ( ثم ركع ركوعًا طويلاً ) نحو مائة آية ( ثم رفع ) من الركوع ( فقام قيامًا طويلاً ) نحو آل عمران ، ولأبي ذر ، في نسخة ، والأصيلي : ثم قام قيامًا . وسقط في رواية ابن عساكر : ثم رفع ( وهو ) أي : القيام ( دون القيام ) وفي نسخة : دون قيام ( الأوّل ، ثم ركع ) ثانيًا ( ركوعًا طويلاً ) نحو ثمانين آية ( وهو دون الركوع الأوّل ، ثم رفع ) منه ( فسجد ) بفاء التعقيب ، وهو يدل على عدم إطالة الاعتدال بعد الركوع الثاني ، وتقدم ( ثم قام ) من سجوده ، ولأبي ذر : ثم رفع ( فقام قيامًا طويلاً ) نحو سورة النساء ( وهو دون القيام الأوّل ، ثم رجع ) ثالثًا ( ركوعًا طويلاً ) نحو سبعين آية ، ( وهو دون الركوع الأوّل ، ثم رفع فسجد ) ظاهره : أن الثانية لم يقم فيها قيامين ، ولا ركع ركوعين . والظاهر أن الراوي اختصره . نعم ، في فرع اليونينية ، كهي ، مما رقم عليه علامة السقوط . ( ثم قام ) أي من الركوع ، ولأبي ذر ثم رفع فقام قيامًا طويلاً نحوًا من المائدة ( وهو دون القيام الأوّل ) . اختلف هل المراد به الأوّل من الثانية ، أو يركع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله ؟ ومن ثم اختلف في القيام الأوّل من الثانية ، وركوعه . ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في : باب الركعة الأولى في الكسوف أطول . ( ثم ركع ) رابعًا ( ركوعًا طويلاً ) نحو خمسين آية ( وهو دون الركوع الأوّل ، ثم رفع فسجد ) بفاء التعقيب أيضًا . ( وانصرف ) من صلاته بعد التشهد بالسلام ( فقال ) عليه الصلاة والسلام ( ما شاء الله أن يقول ) مما ذكر في حديث عروة ، من أمره لهم بالصلاة والصدقة والذكر ، وغير ذلك ( ثم أمرهم أن يتعوّذوا من عذاب القبر ) وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى . وفي الحديث : أن اليهودية كانت عارفة بعذاب القبر ، ولعله من كونه في التوراة ، أو شيء من كتبهم ؟ وإن عذاب القبر حق يجب الإيمان به . وقد دل القرآن في مواضع على أنه حق ، فخرّج ابن حبان في صحيحه ، من حديث أبي هريرة ، عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قوله { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا } [ طه : 124 ] قال : عذاب القبر . وفي الترمذي ، عن علي : قال ما زلنا في شك من عذاب القبر حتى نزلت { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( 1 ) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } [ التكاثر : 1 - 2 ] . وقال قتادة والربيع بن أنس في قوله تعالى : { سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 101 ] أن أحدهما في الدنيا والآخر عذاب القبر . وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الجنائز ، وكذا مسلم والنسائي . 8 - باب طُولِ السُّجُودِ فِي الْكُسُوفِ ( باب طول السجود في ) صلاة ( الكسوف ) أراد به الرد على من نفى تطويله . 1051 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ : " لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُودِيَ : إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةٌ . فَرَكَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ ، ثُمَّ جَلَسَ ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ . قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رضي الله عنها - : مَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهَا " . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا شيبان ) بفتح المعجمة والموحدة بينهما مثناة تحتية ساكنة