أحمد بن محمد القسطلاني

260

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

عن الوجوب ما سبق في العيد ، وقول الشافعي في الأم : لا يجوز تركها ، حملوه على الكراهة لتأكدها ، ليوافق كلامه في مواضع أخر ، والمكروه قد يوصف بعدم الجواز من جهة إطلاق الجائز على مستوى الطرفين ، وصرح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها ، وإليه ذهب بعض الحنفية . واختاره صاحب الأسرار . 1040 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَدَخَلْنَا ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ » . [ الحديث 1040 - أطرافه في : 1048 ، 1062 ، 1063 ، 5785 ] . وبه قال : ( حدَّثنا عمرو بن عون ) بفتح العين الواسطي ( قال : حدّثنا خالد ) هو ابن عبد الله الواسطي ( عن يونس ) بن عبيد ( عن الحسن عن أبي بكرة ) نفيع بن الحرث ، رضي الله عنه ، والحسن هو : البصري ، كما عند البخاري وشيخه ابن المديني . خلافًا للدارقطني ، حيث انتقد على المؤلّف : بأن الحسن البصري إنما يروي عن الأحنف عن أبي بكرة ، وتأوّله أنه : الحسن بن علي . وأجيب : بأنه قد وقع التصريح بسماع الحسن البصري من أبي بكرة ، في باب : قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يخوف الله عباده بالكسوف " حيث قال : وتابعه موسى ، عن مبارك عن الحسن ، قال : أخبرني أبو بكرة . وفي باب : قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للحسن بن علي : " ابني هذا سيد " حيث قال فيه : فقال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة يقول : رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . . . . ثم قال المؤلّف فيه : قال لي علي بن عبد الله ، أي المديني إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث ، يعني لتصريحه فيه بالسماع . ( قال ) : ( كنا عند رسول الله ) ولأبي ذر : عند النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فانكسفت الشمس ) بوزن انفعلت ، وهو يردّ على القزاز حيث أنكره ( فقام النبي ) ولأبوي ذر ، والوقت : رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( يجرّ رداءه ) من غير عجب ولا خيلاء ، حاشاه الله من ذلك زاد في اللباس من وجه آخر ، عن يونس : مستعجلاً . وللنسائي : من العجلة ( حتى دخل المسجد ، فدخلنا ) معه ، ( فصلّى بنا ركعتين ) زاد النسائي كما تصلون . واستدلّ به الحنفية على أنها كصلاة النافلة ، وأيّده صاحب عمدة القاري ، منهم ، بحديث ابن مسعود عند ابن خزيمة في صحيحه ، وابن سمرة عبد الرحمن عند مسلم ، والنسائي ، وسمرة بن جندب عند أصحاب السنن الأربعة ، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند الطحاوي ، وصححه الحاكم وغيرهم ، وكلهم مصرحة بأنها ركعتان . وحمله ابن حبان والبيهقي ، من الشافعية ، على أن المعنى : كما كانوا يصلون في الكسوف ، لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة ، وقد كان ابن عباس علمهم أنها ركعتان ، في كل ركعة ركوعان ، كما روى ذلك الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما . ويؤيد ذلك : أن في رواية عبد الوارث عن يونس ، الآتية في أواخر الكسوف ، أن ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله ، وقال فيه : إن في كل ركعة ركوعين ، فدلّ ذلك على اتحاد القصة . وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة . وفي رواية جابر زيادة بيان في صفة الركوع والأخذ بها أولى ، ووقع في أكثر الطرق ، عن عائشة أيضًا : أن في كل ركعة ركوعين . قاله في فتح الباري ؛ وتعقبه العيني بأن حمل ابن حبان والبيهقي على أن المعنى : كما يصلون في الكسوف ، بعيد وظاهر الكلام يرده ، وبأن حديث أبي بكرة ، عن الذي شاهده من صلاة النبي ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وليس فيه خطاب أصلاً ، ولئن سلمنا أنه خاطب بذلك من الخارج ، فليس معناه كما حمله ابن حبان والبيهقي ، لأن المعنى : كما كانت عادتكم فيما إذا صليتم ركعتين بركوعين وأربع سجدات . على ما تقرر من شأن الصلاة . نعم ، مقتضى كلام أصحابنا الشافعية كما في المجموع ، أنه : لو صلاها كسنة الظهر صحت ، وكان تاركًا فضل ، أخذًا من حديث قبيصة : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلاها بالمدينة ركعتين ؟ وحديث النعمان : أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جعل يصلّي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت ، رواهما أبو داود ، وغيره ، بإسنادين صحيحين . وكأنهم لم ينظروا إلى احتمال أنه صلاها ركعتين بزيادة ركوع في كل ركعة ، كما في حديث عائشة وجابر وابن عباس وغيرهم ، حملاً للمطلق على المقيد ، لأنه خلاف الظاهر ، وفيه نظر ، فإن الشافعي لما نقل ذلك قال : يحمل المطلق على المقيد ، وفد نقله عنه البيهقي في المعرفة ، وقال : الأحاديث على بيان الجواز ، ثم قال : وذهب