أحمد بن محمد القسطلاني

242

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الشجر ) أي : المرعى ، لا في الطرق المسلوكة . فلم يدع عليه الصلاة والسلام برفعه ، لأنه رحمة ، بل دعا بكشف ما يضرهم ، وتصييره إلى حيث يبقى نفعه وخصبه ، ولا يستضر به ساكن ولا ابن سبيل . وهذا من أدبه الكريم ، وخلقه العظيم ، فينبغي التأدب بمثل أدبه . واستنبط من هذا أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله تعالى رفع ذلك العارض ، وإبقاء النعمة . ( قال ) أنس : ( فانقطعت ) أي : الأمطار عن المدينة ( وخرجنا نمشي في الشمس ) . ( قال شريك ) الراوي ( فسألت ) وللأصيلي : فسألنا ( أنسًا : أهو ) أي : السائل الثاني ( الرجل الأول ؟ قال : لا أدري ) . عبر أنس أولا بقوله : إن رجلاً دخل المسجد ، وعبر ثانيًا بقوله ثم دخل رجل . فأتى برجل نكرة في الموضعين ، مع تجويزه أن يكون الثاني هو الأول ففيه أن النكرة إذا أعيدت نكرة لا يجزم بأن مدلولها ثانيًا غير مدلولها أولاً ، بل الأمر محتمل والمسألة مقررة في محلها ، قاله في المصابيح . فإن قلت : لِمَ لَمْ يباشر سؤاله ، عليه الصلاة والسلام ، الاستسقاء بعض أكابر أصحابه ؟ . أجيب : بأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم ، وترك الابتداء بالسؤال . ومنه قول أنس : كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل . واستنبط منه أبو عبد الله الأبي : أن الصبر على المشاق ، وعدم التسبب في كشفها أرجح ، لأنهم إنما يفعلون الأفضل . وفي هذا الحديث : التحديث ، والإخبار ، والسماع ، والقول ، وشيخ المؤلّف من أفراده ، وهو من الرباعيات ، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء . وكذا مسلم وأبو داود والنسائي . 7 - باب الاِسْتِسْقَاءِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ ( باب الاستسقاء في خطبة الجمعة ) حال كون الخطيب ( غير مستقبل القبلة ) . 1014 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ " أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ - فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا . فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا اللَّهُمَّ أَغِثْنَا . قَالَ أَنَسٌ : وَلاَ وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةً ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ . قَالَ فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ . فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ ، فَلاَ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا . ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمٌ يَخْطُبُ - فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا . قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا ، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ " . قَالَ : فَأَقْلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ . قَالَ شَرِيكٌ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ ؟ فَقَالَ : مَا أَدْرِي . وبالسند قال : ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) بكسر العين ( قال : حدّثنا إسماعيل بن جعفر ) الأنصاري المدني ( عن شريك ) هو : ابن عبد الله بن أبي نمر ( عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه . ( أن رجلاً دخل المسجد ) النبوي بالمدينة ( يوم جمعة ) بالتنكير لكريمة ، كما في الفتح ، ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي : يوم الجمعة ( من باب كان نحو دار القضاء ) التي بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، الذي كان أنفقه من بيت المال ، وكتبه على نفسه ، وكان ستة وثمانين ألفًا ، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله ، فباع ابنه هذه الدار من معاوية ، وكان يقال لها : دار قضاء دين عمر . ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء . ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائم ) حال كونه ( يخطب فاستقبل ) الرجل ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) حال كونه ( قائمًا ، ثم قال : يا رسول الله ! هلكت الأموال ) أي : المواشي ( وانقطعت السبل ) الطرف ( فادع الله يغيثنا ) بضم أوله ، من : أغاث ، أي : أجاب . وفتحه ، من : غاث للمطر . كذا ثبت الوجهان هنا في فرع اليونينية ، وبرفع المثلثة بتقدير : هو ، أو : أن أصله : أن يغيثنا ، بالجزم على الجواب ، كما مر . ( فرفع رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، يديه ) زاد ابن خزيمة من رواية حميد ، عن أنس : حتى رأيت بياض إبطيه . وللنسائي : ورفع الناس أيديهم مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعون ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ) ثلاث مرات كما في السابقة . لكنه قال فيها : اسقنا . قال الزركشي : كذا الرواية أغثنا بالهمز رباعيًا ، أي : هب لنا غيثًا . والهمزة فيه للتعدية ، وقيل : صوابه غثنا من غاث . قالوا : وأما أغثنا ، فإنه من الإغاثة وليس من طلب الغيث . قال في المصابيح : وعلى تقدير تسليمه لا يضر اعتبار الإغاثة من الغوث في هذا المقام ، ولا ثم ما ينافيه . والرواية ثابتة به ، ولها وجه ، فلا سبيل إلى دفعها . بمجرد ما قيل . اه - . وأشار بقوله : ولها وجه إلى ما مر في الباب السابق أنه يقال : غاث ، وأغاث ، بمعنى . وقال ابن دريد : الأصل : غاثه الله يغوثه غوثًا ، فأميت . واستعمل : أغاثه . ويحتمل أن يكون معنى أغثنا أعطنا غوثًا وغيثًا . ( قال أنس ) : ( ولا ) بالواو ، وللأصيلي : فلا ( والله ما نرى ) كرّر النفي قبل القسم وبعده للتأكيد ، وإلا فلو قال : فوالله ما نرى لكان الكلام مستقيمًا . وكذا لو قال : فلا نرى والله ( في السماء من سحاب ) مجتمع ( ولا قزعة ) بالقاف والزاي والمهملة المفتوحات والنصب على التبعية ، لسحاب