أحمد بن محمد القسطلاني

243

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

من جهة المحل . ولأبوي ذر والوقت . والأصيلي : قزعة ، بالجر على التبعية له من جهة اللفظ . وهي : القطعة الرقيقة من السحاب . كما مر . ( وما بيننا وبين سلع ) الجبل المعروف ( من بيت ولا دار ) يحجب عن الرؤية . ( قال : فطلعت من ورائه ) أي الجبل ( سحابة مثل الترس ) في الاستدارة والكثافة ، ( فلما توسطت ) السحابة ( السماء ، انتشرت ) وسقط عند الأربعة لفظ : السماء ( ثم أمطرف ، فلا والله ما رأينا الشمس ستًا ) بكسر السين ، أي : ستة أيام ، ولأبوي ذر ، والوقت ، وابن عساكر : سبتًا ، بفتح السين وسكون الموحدة أي : من سبت إلى سبت ، بدليل الرواية الأخرى : من جمعة إلى جمعة ، أو : السبت قطعة من الزمان . وقد استدلّ الأبي لتصحيح رواية : ستًا بالكسر ، برواية : من جمعة إلى جمعة قال : لأنه إذا أزيلت الجمعتان اللتان دعا فيهما صح ذلك . اه - . وقد مر : أنه لا تنافي بين الروايتين ، وحينئذٍ فرواية : ستًا بكسر السين لا تصحيف فيها ، كما زعم بعضهم ، وكيف يقال ذلك مع رواية الثقات الأثبات لها والتوجيه الصحيح ، فتأمل . وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني : سبعًا ، بالعين بعد الموحدة أي : سبعة أيام . ( ثم دخل رجل ) آخر أو : وهو الأول ( من ذلك الباب في الجمعة ) زاد في رواية أبي ذر والأصيلي : يعني الثانية ( ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قائم ) حال كونه ( يخطب ، فاستقبله ) حال كونه ( قائمًا فقال : يا رسول الله ! هلكت الأموال ) بسبب غير السبب الأول ، وهو : كثرة الماء المانع للماشية من الرعي ، أو : لعدم ما يكنها ( وانقطعت السبل ) لتعذر سلوكها من كثرة ، المطر ، ( فادع الله يمسكها عنا ) بالجزم على الطلب ، ولأبي ذر ، والأصيلي : أن يمسكها . وفي رواية قتادة : فادع ربك يحبسها عنا . فضحك ، وفي رواية ثابت : فتبسم ، وزاد في رواية حميد : لسرعة ملال ابن آدم . ( قال : فرفع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديه ) ، ثم ( قال : اللهم حوالينا ولا علينا ) فيه حذف ، أي : أمطر في الأماكن التي حوالينا ، ولا تمطر علينا . وفي إدخال الواو في قوله : ولا علينا معنى دقيق ، وذلك أنه : لو أسقطها لكان مستسقيًا للاكام والظراب ، ونحوها ، مما لا يستسقى له لقلة الحاجة إلى الماء هنالك . وحيث أدخل الواو : آذن بأن طلب المطر على هذه الجهات ليس مقصودًا لعينه ، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر على نفس المدينة ، فليست الواو ومتمحضة للعطف ولكنها كواو التعليل وهو كقولهم : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها . فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه ولكن لكونه مانعًا من الرضاعة بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك . اه - . قال ابن الدماميني ، بعد أن نقل ذلك عن ابن المنير : فليست الواو مخلصة للعطف ، ولكنها كواو التعليل وفائه . فالمراد أنه إن سبق في قضائك أن لا بد من المطر ، فاجعله حول المدينة . ويدل على أن الواو ليست لمحض العطف اقترانها بحرف النفي ، ولم يتقدم مثله . ولو قلت : اضرب زيدًا ولا عمرًا ما استقام على العطف . قلت : لم يستقم لي إجراء هذا الكلام على القواعد ، وليس لنا في كلام العرب واو وضعت للتعليل ، وليست لا هنا للنفي ، وإنما هي الدعائية مثل : { رَبَّنَا لاَ تُؤاخِذْنَا } [ البقرة : 286 ] فالمراد : أنزل المطر حوالينا حيث لا نستضر به ، ولا تنزله علينا حيث نستضر به . فلم يطلب منع الغيث بالكلية ، وهو من حسن الأدب في الدعاء ، لأن الغيث رحمة الله ونعمته المطلوبة ، فكيف يطلب منه رفع نعمته ؟ وكشف رحمته ؟ وإنما يُسأل سبحانه كشف البلاء ، والمزيد من النعماء ، وكذا فعل عليه الصلاة والسلام . فإنما سأل جلب النفع ، ودفع الضرر ، فهو استسقاء بالنسبة إلى محلين . والواو : لمحض العطف ، ولا : جازمة لا نافية ولا إشكال البتة . ولو حذفت الواو ، وجعلت لا نافية ، وهي مع ذلك للعطف لاستقام الكلام . لكن أوثر الأوّل ، والله أعلم ، لاشتماله على جملتين طلبيتين ، والمقام يناسبه . ( اللهم ) أنزله ( على الآكام ) بكسر الهمزة وبفتحها مع المدّ ، وهي : ما دون الجبل وأعلى من الرابية ( و ) على ( الظراب ) بكسر المعجمة : الروابي الصغار : وقيل فيهما غير ذلك ، كما مر ( وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فأقلعت ) بفتح الهمزة من الإقلاع أي : كفت وأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة . وفي رواية سعيد ، عن شريك : فما هو إلا أن تكلم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك ، تمزق السحاب حتى