أحمد بن محمد القسطلاني

217

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

تشتمل على يوم عرفة وقد روي : أنه أفضل أيام الدنيا ، والأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعًا ، وقد أقسم الله تعالى بها ، فقال : { وَالْفَجْرِ ( 1 ) وَلَيَالٍ عَشْرٍ } [ الفجر : 1 - 2 ] وقد زعم بعضهم : أن ليالي عشر رمضان : أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر . قال الحافظ ابن رجب : وهذا بعيد جدًّا ، ولو صح حديث أبي هريرة ، المروي في الترمذي : " قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر " . لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان ، فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة ، وهذا جمع لياليه متساوية . والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء : إن مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان ، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها . انتهى . واستدلّ به على فضل صيام عشر الحجة لاندراج الصوم في العمل ، وعورض بتحريم صوم يوم العيد . وأجيب : بحمله على الغالب ، ولا ريب أن صيام رمضان أفضل من صوم العشر ، لأن فعل الفرض أفضل من النفل من غير تردّد ، وعلى هذا فكل ما فعل من فرض في العشر فهو أفضل من فرض فعل في غيره ، وكذا النفل . ( قالوا ) : يا رسول الله ( ولا الجهاد ) ؟ أفضل منه ، وزاد أبو ذر : في سبيل الله ( قال ) عليه الصلاة والسلام . ( ولا الجهاد ) في سبيل الله ، ثم استثنى جهادًا واحدًا هو أفضل الجهاد فقال : ( إلا رجل خرج ) أي : إلا عمل رجل . فهو مرفوع على البدل ، والاستثناء متصل ، وقيل : منقطع أي : لكن رجل خرج يخاطر بنفسه فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له . وتعقبه في المصابيح بأنه : إنما يستقيم على اللغة التميمية ، وإلا فالمنقطع عند غيرهم واجب النصب . ولأبي ذر ، عن المستملي : إلا من خرج حال كونه ( يخاطر ) من المخاطرة ، وهي ارتكاب ما فيه خطر ( بنفسه وماله ، فلم يرجع بشيء ) من ماله ، وإن رجع هو أو لم يرجع هو ولا ماله ، بأن ذهب ماله واستشهد . كذا قرره ابن بطال . وتعقبه الزين بن المنير بأن قوله فلم يرجع بشيء ، يستلزم أنه يرجع بنفسه ولا بد . وأجيب : بأن قوله : " فلم يرجع بشيء " نكرة في سياق النفي فتعمّ ما ذكره . وعند أبي عوانة من طريق إبراهيم بن حميد عن شعبة : إلا من عقر جواده ، وأهريق دمه وعنده ، من رواية القاسم بن أيوب : إلا من لا يرجع بنفسه ولا ماله . وفي هذا الحديث أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره . ورواته كوفيون إلا شيخه فبصري ، والثاني بسطامي ، وفيه التحديث ، والعنعنة ، وأخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجة : في الصيام ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب . 12 - باب التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى ، وَإِذَا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ وَكَانَ عُمَرُ - رضي الله عنه - يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا . وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجِدِ . ( باب التكبير أيام منى ) يوم العيد ، الثلاثة بعده . ( و ) التكبير ( إذا غدا ) صبيحة التاسع ( إلى عرفة ) للوقوف بها . ( وكان عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنه ) مما وصله سعيد بن منصور ، من رواية عبيد بن عمير عنه ، وأبو عبيدة من وجه آخر ، والبيهقي من طريقه ، ولأبي ذر مما في فرع اليونينية : وكان ابن عمر ( يكبر في قبته ) بضم القاف وتشديد الموحدة ، بيت صغير من الخيام مستدير من بيوت العرب ( بمنى ) في أيامها ( فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق ) بتكبيره ( حتى ترتج منى ) بتشديد الجيم ، أي : تضطرب وتتحرك مبالغة في اجتماع رفع الأصوات ( تكبيرًا ) بالنصب ، أي : لأجل التكبير . وقد أبدى الخطابي للتكبير أيام منى حكمة وهي : أن الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها ، فشرع التكبير فيها إشارة إلى تخصيص الذبح له ، وعلى اسمه عز وجل . ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب رضي الله عنهما ، مما وصله ابن المنذر ، والفاكهي في أخبار مكة ، من طريق ابن جريج أخبرني نافع أن ابن عمر كان ( يكبر بمنى تلك الأيام ) أي : أيام منى ( وخلف الصلوات ) المكتوبات وغيرها ( وعلى فراشه ) بالإفراد ، وللحموي والمستملي : وعلى فراشه ، ( وفي فسطاطه ) بضم الفاء وقد تكسر : بيت من شعر ( ومجلسه وممشاه ) بفتح الميم الأولى ، موضع مشيه ( تلك الأيام ) ظرف للمذكورات . أي : في تلك الأيام وكررها للتأكيد والمبالغة ، ثم أكد ذلك أيضًا بقوله ( جميعًا ) . ويروي ، وتلك بواو العطف ( وكانت ميمونة ) بنت الحرث الهلالية المتوفاة بسرف ، بين مكة