أحمد بن محمد القسطلاني
216
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
والعمدة { ويذكروا الله في أيام معلومات } باللام بلفظ سورة الحج ، لكنه حذف لفظ : اسم . وبالجملة فليس في هذه الروايات الثلاثة ما يوافق التلاوة ، ومن ثم استشكلت . وأجيب : بأنه لم يقصد بها التلاوة ، وإنما حكي كلام ابن عباس . وابن عباس إنما أراد تفسير المعدودات والمعلومات . نعم ، في فرع اليونينية ، مما رقم له بعلامة أبي ذر ، عن الكشميهني : { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } باللام ، وهذا موافق لما في الحج . ( وكان ابن عمر ) بن الخطاب ( وأبو هريرة ) رضي الله عنهم ، مما ذكره البغوي والبيهقي معلقًا عنهما ، ( يخرجان إلى السوق في أيام العشر ) الأول من ذي الحجة ( يكبران ، ويكبر الناس بتكبيرهما ) . قال البرماوي كالكرماني : هذا لا يناسب الترجمة ، إلا أن المصنف ، رحمه الله كثيرًا ما يضيف إلى الترجمة ما له أدنى ملابسة استطرادًا . وقال في الفتح : الظاهر أنه أراد تساوي أيام التشريق بأيام العشر ، لجامع ما بينهما مما يقع فيهما من أعمال الحج . ( وكبر محمد بن علي ) الباقر ، فيما وصله الدارقطني في : المؤتلف ، عنه في : أيام التشريق بمنى ، ( خلف النافلة ) كالفريضة . وفي ذلك خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في الباب اللاحق مع غيره . 969 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : « مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ » . قَالُوا : وَلاَ الْجِهَادُ ؟ قَالَ : « وَلاَ الْجِهَادُ ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَىْءٍ » . وبالسند قال : ( حدثنا محمد بن عرعرة ) بفتح العينين المهملتين ، وبالراءين ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن سليمان ) بن مهران الأعمش ، ( عن مسلم البطين ) بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون التحتية آخره نون ، لقب به لعظم بطنه ، وهو كوفي ( عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ) رضي الله عنهما ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال ) : ( ما العمل ) مبتدأ ، يشمل أنواع العبادات : كالصلاة والتكبير ، والذكر ، والصوم ، وغيرها ( في أيام ) من أيام السنة ، وهو متعلق المبتدأ ، أو خبره قوله : ( أفضل منها ) الجار والمجرور متعلق بأفضل ، والضمير عائد إلى العمل ، بتقدير الإعمال كما في قوله تعالى { أو الطفل الذين } [ النور : 31 ] كذا قرره البرماوي والزركشي . وتعقبه المحقق ابن الدماميني فقال : هذا غلط ، لأن الطفل يطلق على الواحد والجماعة بلفظ واحد ، بخلاف العمل ، وزاد فخرّجه على أن يكون الضمير عائدًا إلى العمل ، باعتبار إرادة القربة مع عدم تأويله بالجمع ، أي : ما القربة في أيام أفضل منها ( في هذا العشر ) الأول من ذي الحجة . كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني بالتصريح : بالعشر ، وكذا عند أحمد ، عن غندر ، عن شعبة بالإسناد المذكور . بل في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ : عشر الحجة . وممن صرّح بالعشر أيضًا ابن ماجة ، وابن حبان ، وأبو عوانة . ولكريمة عن الكشميهني : " ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه " . بتأنيث الضمير مع إبهام الأيام . وفسرها بعض الشارحين بأيام التشريق لكون المؤلّف ترجم لها ، وهو يقتضي نفي أفضلية العمل في أيام العشر على أيام التشريق . ووجهه صاحب بهجة النفوس : بأن أيام التشريق أيام غفلة ، والعبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها ، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام ، وبأنه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصلاة والسلام ، ثم منّ عليه بالفداء . وهو معارض بالنقول كما قاله في الفتح : فالعمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها من أيام الدنيا من غير استثناء شيء . وعلى هذا فرواية كريمة شاذة لمخالفتها رواية أبي ذر ، وهو من الحفاظ عن شيخهما الكشميهني ، لكن يعكر عليه ترجمة المؤلّف : بأيام التشريق . وأجيب : باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحج فيهما ، ومن ثم اشتركا في مشروعية التكبير . وفي رواية أبي الوقت ، والأصيلي وابن عساكر : " ما العمل في أيام أفضل منها في هذه " . بتأنيث الضمير ، وهي ظرف مستقر ، حال من الضمير المجرور " بمن " وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في أيام غيره من السنة ، لزم منه أن تكون أيام العشر أفضل من غيرها من أيام السنة ، حتى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره ، لجمعه الفضيلتين . وخرج البزار وغيره ، عن جابر مرفوعًا : " أفضل أيام الدنيا أيام العشر " . وفي حديث عند ابن عمر المروي " ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ، ليس العشر " . وهو يدل على أن أيام العشر أفضل من يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيام ، وأيضًا فأيام العشر