أحمد بن محمد القسطلاني
215
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عبد الله بن بسر حيث قال : إن كنا قد فرغنا ساعتنا هذه : وذلك حين صلاة التسبيح . واحتج الثلاثة بفعله عليه الصلاة والسلام ، ونهيه عن الصلاة وقت طلوع الشمس ، وأجابوا عن حديث ابن بسر هذا بأنه كان قد تأخر عن الوقت ، بدليل ما تواتر عن غيره ، وبأن الأفضل ما عليه الجمهور ، وهو فعلها بعد الارتفاع قيد رمح . فيكون ذلك الوقت أفضل بالإجماع . وهذا الحديث ، لو بقي على ظاهره لدلّ على أن الأفضل خلافه . 968 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ : « إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا ، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَىْءٍ » . فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنَا ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ . قَالَ : « اجْعَلْهَا مَكَانَهَا - أَوْ قَالَ اذْبَحْهَا - وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا سليمان بن حرب ، قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن زبيد ) اليامي ( عن الشعبي ) عامر بن شراحيل ( عن البراء ) بن عازب ، رضي الله عنه ، ( قال ) : ( خطبنا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم النحر ) أي بعد أن صلّى العيد ( فقال ) : ( إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا ) أي : وفي يوم عيد الفطر ( أن نصلي ) صلاة العيد التي صليناها قبل ، ( ثم نرجع فننحر ) بالنصب عطفًا على ما سبق والنحر للإبل ، والذبح لغيرها ، أو يطلق النحر على الذبح بجامع إنهار الدم . ( فمن فعل ذلك ) بأن قدّم الصلاة على الخطبة ثم نحر ( فقد أصاب سنّتنا ، ومن ذبح قبل أن يصلّي ) العيد ( فإنما هو ) أي : الذي ذبحه ( لحم عجله لأهله ، ليس من النسك ) المتقرب بها ( في شيء ) ، ولأبي ذر ، عن الكشميهني : فإنها ، أي : ذبيحته لحم . قال البراء : ( فقام خالي أبو بردة بن نيار ) بكسر النون وتخفيف المثناة ( فقال : يا رسول الله ! أنا ) ولأبي ذر ، والأصيلي ، وأبي الوقت ، عن الحموي والمستملي : إني ( ذبحت ) شاتي ( قبل أن أصلي ، وعندي جذعة ) من المعز ، هي ( خير من مسنة ) ، لها سنتان ، لنفاستها لحمًا وثمنًا . ( قال ) عليه الصلاة والسلام له ، ولأبي الوقت ، فقال : ( اجعلها مكانها - أو قال اذبحها - ) شك من الراوي ( ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك ) وفي رواية : غيرك . ووجه الدلالة للترجمة من قوله : " أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي . . . " من جهة أن المؤخر لصلاة العيد عن أول النهار بدأ بغير الصلاة ، لأنه بدأ بتركها ، والاشتغال عنها بما لا يخلو الإنسان منه عند خلوه عن الصلاة ، وهو استنباط خفي يجنح إلى الجمود على اللفظ ، والإعراض عن النظر إلى السياق ، وله وجه . ويحقق ما قلناه ، أنه قال في طريق أخرى ، تأتي إن شاء الله تعالى : " إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة . . . " فالأوّلية باعتبار المناسك ، لا باعتبار النهار : قاله في المصابيح . 11 - باب فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات } : أَيَّامُ الْعَشْرِ . وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ : أَيَّامُ التَّشْرِيقِ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ . ( باب فضل العمل في أيام التشريق ) الثلاثة بعد يوم النحر ، أو : هو منها عملاً بسبب التسمية به ، لأن لحوم الأضاحي كانت تشرك فيها بمنى ، أيّ تقدد ، ويبزر بها للشمس . أو : أنها كلها أيام تشريق لصلاة يوم النحر ، لأنها إنما تصلّي بعد أن تشرق الشمس ، فصارت تبعًا ليوم النحر . أو : من قول الجاهلية : أشرق ثبير كيما نغير أي ندفع فننحر . وحينئذ فإخراجهم يوم النحر منها إنما هو لشهرته بلقب خاص ، وهو : يوم العيد ، وإلاّ فهي في الحقيقة تبع له في التسمية . وقد روى أبو عبيد ، من مرسل الشعبي ، بسند رجاله ثقات : " من ذبح قبل التشريق فليعد " . أي : قبل صلاة العيد . لكن مقتضى كلام الفقهاء واللغويين : أنها غيره ، والله تعالى أعلم . ( وقال ابن عباس ) رضي الله عنهما ، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره ( واذكروا { الله في أيام معلومات } ) [ الحج : 28 ] باللام هي : ( أيام العشر ) الأول من ذي الحجة . قال : ( والأيام المعدودات ) بالدال : هي ( أيام التشريق ) الثلاثة : الحادي عشر من ذي الحجة : يوم القرّ بفتح القاف ، لأن الحجاج يقرّون فيه بمنى ، والثاني عشر ، والثالث عشر : المسمّيان بالنفر الأول لجواز النفر فيه لمن تعجل ، والنفر الثاني . ويقال لها : أيام منى ، لأن الحجاج يقيمون فيها بمنى . وهذا ، أي قوله : واذكروا { الله في أيام معلومات } باللام ، رواية كريمة وابن شبويه ، وهي خلاف التلاوة ، لأنها في سورة البقرة : معدودات بالدال ، ولأبي ذر ، عن الحموي والمستملي { واذكروا الله في أيام معدودات ) بالدال ، وهي مخالفة للتلاوة أيضًا ، لأنها ، وإن كانت موافقة لآية البقرة في { معدودات } بالدال لكنها مخالفة لها من حيث التعبير بفعل الأمر ، موافقة لآية الحج في التعبير بالمضارع ، لكن تلك : أي : آية الحج ، { معلومات } باللام مع إثبات : اسم ، في قوله : { ويذكروا اسم الله } ولأبي ذر أيضًا ، عن الكشميهني ، مما في الفتح