أحمد بن محمد القسطلاني
199
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وظاهر هذا السياق صادق بأن تسجد الطائفة الأولى معه في الركعة الأولى ، والثانية في الثانية ، وعكسه بأن تسجد الثانية معه في الأولى ، والأولى في الثانية ، مع تحول كل منهما إلى مكان الأخرى كما مرّ ، فتكون صفتين . والذي في مسلم ، وأبي داود : هو الصفة الأولى مع التحوّل أيضًا ، ولفظ رواية أبي داود ، عن أبي عياش الزرقيّ ، قال : صلينا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العصر بعسفان ، فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والمشركون أمامه ، واصطفوا صفًّا خلفه ، وخلف الصف صف آخر ، فركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركعوا جميعًا ثم سجد الصف الذي يليه وقام الآخر يحرسونهم ، فلما قضى بهم السجدتين وقاموا ، سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم ، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الآخرين ، وتقدّم الآخرون إلى مقام الأوّلين ، ثم ركع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركعوا جميعًا ، ثم سجد فسجد الصف الذي يليه . وقام الآخرون يحرسونهم ، فلما جلس رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سجد الآخرون وجلسوا جميعًا ، فسلم بهم . ولمسلم نحوه . وهذا السياق مغاير لحديث الباب ، فإن فيه : أن الصفين ركعوا معه ، عليه الصلاة والسلام ، وسجدت معه الأولى وقامت الأخرى من الركوع تحرس ، ثم سجدت الحارسة بعد فراغ أولئك . وفي حديث الباب أنه ركع طائفة منهم وسجدوا معه ، ثم جاءت الطائفة الأخرى كذلك ، ولم يقع في رواية الزهري هذه : هل أكملوا الركعة الثانية أم لا . نعم ، زاد النسائي في رواية له ، من طريق أبي بكر بن أبي الجهم ، عن شيخه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، فزاد في آخره : ولم يقضوا . وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة . ولمسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، من طريق مجاهد عن ابن عباس ، قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم ، في الحضر أربعًا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة . لكن الجمهور على أن قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد ، وتأوّلوا رواية مجاهد هذه على أن المراد ركعة مع الإمام ، وليس فيه نفي الثانية . ورواة حديث الباب ثلاثة حمصيون ، واثنان مدنيان . وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وأخرجه النسائي في الصلاة . 4 - باب الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيمَاءً كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ أَوْ يَأْمَنُوا فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ لاَ يُجْزِئُهُمُ التَّكْبِيرُ وَيُؤَخِّرُوهَا حَتَّى يَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ . وَقَالَ أَنَسٌ : حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ - وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ - فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى ، فَفُتِحَ لَنَا . وَقَالَ أَنَسٌ : وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ( باب الصلاة عند مناهضة الحصون ) أي إمكان فتحها وغلبة الظن على القدرة عليها ( و ) الصلاة عند ( لقاء العدوّ ) . ( وقال ) عبد الرحمن ( الأوزاعي ) ، فيما ذكره الوليد بن مسلم في كتاب السير : ( إذ كان تهيأ الفتح ) بمثناة فوقية فهاء فمثناة تحتية مشدّدة فهمزة مفتوحات ، أي : اتفق وتمكن . وللقابسي ، فيما حكاه في الفتح وغيره : إن كان بها الفتح ، بموحدة . وهاء : بضمير ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : وهو تصحيف ، ( و ) الحال أنهم ( لم يقدروا على ) إتمام ( الصلاة ) أركانًا وأفعالاً ( صلوا إيماءً ) أي مومئين ( كل امرئ ) شخص يصلّي ( لنفسه ) بالإيماء منفردًا ، ( فإن لم يقدروا على الإيماء ) بسبب اشتغال الجوارح ، لأن الحرب إذا بلغ الغاية في الشدة تعذر الإيماء على القاتل لاشتغال قلبه وجوارحه عند القتال ( أخروا الصلاة خى ينكشف القتال ، أو يأمنوا ، فيصلوا ركعتين ) . استشكل كونه جعل الإيماء مشروطًا بتعذر القدرة ، والتأخير مشروطًا بتعذر الإيماء ، وجعل غاية التأخير انكشاف القتال ثم قال : أو يأمنوا فيصلوا ركعتين . . . فجعل الأمن قسيم الانكشاف ، وبالانكشاف يحصل الأمن ، فكيف يكون قسيمه ؟ . وأجيب : بأن الانكشاف قد يحصل ، ولا يحصل الأمن لخوف المعاودة ، كما أن الأمن قد يحصل بزيادة القوّة واتصال المدد بغير انكشاف ، فعلى هذا فالأمن قسيم الانكشاف أيهما حصل اقتضى صلاة ركعتين . ( فإن لم يقدروا ) على صلاة ركعتين ، بالفعل أو بالإيماء ( صلوا ركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا ) أي على صلاة وسجدتين ( لا يجزيهم ) ، ولغير الأربعة : وسجدتين لا يجزيهم ، ولأبي ذر : فلا يجزيهم ( التكبير ) خلافًا لمن قال : إذا التقى الزحفان وحضرت الصلاة يجزيهم التكبير عن الصلاة بلا إعادة . ( ويؤخرونها ) أي : الصلاة ، ولغير أبي ذر : يؤخروها ( حتى يأمنوا ) أي : حتى يحصل لهم الأمن التام . واحتج الأوزاعي ، كما قال ابن