أحمد بن محمد القسطلاني

200

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بطال على ذلك ، بكونه عليه الصلاة والسلام أخّرها في الخندق حتى صلاها كاملة ، لما كان فيه من شغل الحرب . فكذا الحال التي هي أشد . وأجيب : بأن صلاة الخوف ، إنما شرعت بعد الخندق . ( وبه ) أي : وبقول الأوزاعي ( قال مكحول ) الدمشقي التابعي ، مما وصله عبد بن حميد في تفسيره عنه من طريق الأوزاعي بلفظ : إذا لم يقدر القوم على أن يصلوا على الأرض صلوا على ظهر الدواب ركعتين ، فإن لم يقدروا فركعة وسجدتين ، فإن لم يقدروا أخّروا الصلاة حتى يأمنوا فيصلوا بالأرض . ( وقال أنس ) ولأبي ذر ، وقال أنس بن مالك ، مما وصله ابن سعد وعمر بن شبة من طريق قتادة : ( حضرت عند مناهضة ) ولابن عساكر : حضرت مناهضة ( حصن تستر ) بمثناتين فوقيتين ، أولاهما مضمومة والثانية مفتوحة ، بينهما سين مهملة ساكنة آخره راء ، مدينة مشهورة من كور الأهواز ، فتحت سنة عشرين في خلافة عمر ( عند إضاءة الفجر - واشتد اشتعال القتال - ) بالعين المهملة ، وتشبيه القتال بالنار : استعارة بالكناية ، ( فلم يقدروا على الصلاة ) لعجزهم عن النزول ، أو عن الإيماء ، فيوافق السابق عن الأوزاعي ، أو أنهم لم يجدوا إلى الوضوء سبيلاً من شدّة القتال ، وبه جزم الأصيلي ، ( فلم نصلّ إلا بعد ارتفاع النهار ) في رواية عمر بن شبة : حتى انتصف النهار ( فصليناها ، ونحن مع أبي موسى ) الأشعري ( ففتح لنا ) الحصن . ( وقال ) وللأصيلي : فقال ، ولأبوي ذر والوقت ، وابن عساكر : قال ( أنس ) هو ابن مالك : ( وما يسرّني بتلك الصلاة ) أي بدل تلك الصلاة ومقابلها ، فالباء للبدلية ، كقوله : فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا . وللكشميهني : من تلك الصلاة ( الدنيا وما فيها ) . 945 - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُبَارَكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ . قَالَ فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا " . وبالسند قال : ( حدّثنا يحيى ) ولأبي ذر : عن المستملي ، كما في فرع اليونينية : يحيى بن جعفر البخاري البيكندي ، وهو من أفراد البخاري ( قال : حدّثنا وكيع ) بفتح الواو وكسر الكاف ( عن عليّ بن المبارك ) ولابن عساكر : ابن المبارك ( عن يحيى بن أبي كثير ) بالمثلثة ( عن أبي سلمة ) بفتح اللام ، ابن عبد الرحمن ( عن جابر بن عبد الله ) الأنصاري ، رضي الله عنه ( قال : جاء عمر ) بن الخطاب ، رضي الله عنه ( يوم ) حفر ( الخندق ) لا تحزبت الأحزاب سنة أربع ( فجعل يسب كفّار قريش ) لتسببهم في اشتغال المؤمنين بالحفر عن الصلاة حتى فاتت ( ويقول : يا رسول الله . ما صليت العصر حتى كادت الشمس أن تغيب ) . فيه دخول : أن ، على خبر كاد ، والأكثر تجريده منها ، كما في رواية أبي ذر : حتى كادت الشمس تغيب . وظاهره : أنه صلّى قبل الغروب ، لكن قد يمنع ذلك بأنه إنما يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها ، ولا يلزم منه وقوع الصلاة فيها ، بل يلزم أن لا تقع الصلاة فيها إذ حاصله عرفًا : ما صليت حتى غربت الشمس . ( فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تطييبًا لقلب عمر لما شق عليه تأخيرها : ( وأنا والله ما صليتها ) أي العصر ( بعد ) . ( قال ) جابر : ( فنزل ) عليه الصلاة والسلام ( إلى بطحان ) بضم الموحدة وسكون المهملة غير منصرف ، كذا يرويه المحدّثون ، وعند اللغويين بفتح الموحدة وكسر الطاء ، ( فتوضأ وصلّى العصر بعدما غابت الشمس ) . وهذا التأخير كان قبل صلاة الخوف ، ثم نسخ أو كان نسيانًا أو عمدًا لتعذر الطهارة ، أو للشغل بالقتال ، وإليه ذهب البخاري هنا . ونزل عليه الآثار التي ترجم لها بالشروط المذكورة ، وهو موضع الجزء الثاني من الترجمة ، وهو لقاء العدوّ ومن جملة أحكامه المذكورة : تأخير الصلاة إلى وقت الأمن ، وكذا في الحديث : أخر عليه الصلاة والسلام الصلاة حتى نزل بطحان ، ( ثم صلّى ) عليه الصلاة والسلام ( المغرب بعدها ) أي بعد العصر . وسبق الحديث بمباحثه في باب : من صلّى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت . 5 - باب صَلاَةِ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ رَاكِبًا وَإِيمَاءً وَقَالَ الْوَلِيدُ : ذَكَرْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ صَلاَةَ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ وَأَصْحَابِهِ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ فَقَالَ : كَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَنَا إِذَا تُخُوِّفَ الْفَوْتُ . وَاحْتَجَّ الْوَلِيدُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ » . ( باب صلاة الطالب و ) صلاة ( المطلوب ) حال كونه ( راكبًا وإيماءً ) مصدر : أومأ . كذا لأبي ذر الكشميهني ، والمستملي : إيماء ، ولأبوي ذر والوقت عن الحموي : وقائمًا بالقاف من القيام ، وفي رواية قائمًا . وقد اتفقوا على صلاة المطلوب راكبًا ، واختلفوا في الطالب ، فمنعه الشافعي وأحمد ، رحمهما الله ، وقال مالك : يصلّي راكبًا حيث توجه إذا خاف فوت العدوّ إن نزل . ( وقال الوليد ) بن مسلم القرشي الأموي ( ذكرت للأوزاعي )