أحمد بن محمد القسطلاني

190

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أي تركت الأدب جميعًا بين الأدلة ، أو صارت جمعتك ظهرًا لحديث عبد الله بن عمرو ، مرفوعًا ، " ومن تخطى رقاب الناس كانت له ظهرا " ، رواه أبو داود ، وابن خزيمة . ولأحمد من حديث علّي مرفوعًا : " ومن قال : صه ! فقد تكلم ، ومن تكلم فلا جمعة له " . والنفي للكمال ، وإلا فالإجماع على سقوط فرض الوقت عنه ، وزاد أحمد من رواية الأعرج ، عن أبي هريرة ، في آخر حديث الباب بعد قوله : " فقد لغوت " " عليك بنفسك " . واستدلّ به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة ، وبه قال الجمهور . نعم ، لغير السامع عند الشافعية أن يشتغل بالتلاوة والذكر ، وكلام المجموع يقتضي أن الاشتغال بهما أولى ، وهو ظاهر خلافًا لمن منع ، كما مر ، ولو عرض مهم ناجز : كتعليم خير ، ونهي عن منكر ، وتحذير إنسان عقربًا ، أو أعمى بئرًا ، لم يمنع من الكلام ، بل قد يجب عليه . لكن يستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت . نعم ، منع المالكية نهي اللاغي بالكلام ، أو رميه بالحصى : أو الإشارة إليه بما يفهم النهي حسمًا للمادة ، وقد استثني من الإنصات ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لم يشرع في الخطبة ، كالدعاء للسلطان مثلاً . وبقية مباحث ذلك سبقت قريبًا في باب : الاستماع إلى الخطبة . 37 - باب السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ( باب الساعة التي ) يستجاب فيها الدعاء ( في يوم الجمعة ) . 935 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : « فِيهِ سَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهْوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ » . وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا . [ الحديث 935 - طرفاه 5294 ، 6400 ] . وبالسند قال . ( حدّثنا عبد الله بن مسلمة ) القعنبي ( عن مالك ) الإمام ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ذكر يوم الجمعة فقال ) : ( فيه ساعة ) أبهمها هنا كليلة القدر ، والاسم الأعظم ، والرجل الصالح ، حتى تتوفر الدواعي على مراقبة ذلك اليوم . وقد روي : " إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها " ، ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام ، فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضًا لها بإحضار القلب ، وملازمة الذكر والدعاء ، والنزوع عن وساوس الدنيا ، فعساه يحظى بشيء من تلك النفحات . وهل هذه الساعة باقية أو رفعت ؟ وإذا قلنا بأنها باقية ، وهو الصحيح ، فهل هي في جمعة واحدة من السنة ؟ أو في كل جمعة منها ؟ قال بالأول كعب الأحبار لأبي هريرة ، وردّه عليه فرجع لما راجع التوراة إليه . والجمهور على وجودها في كل جمعة . ووقع تعيينها في أحاديث كثيرة : أرجحها حديث مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، مرفوعًا : " أنها ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقضى الصلاة " . رواه مسلم وأبو داود . وقول عبد الله بن سلام ، المروي عند مالك ، وأبي داود والترمذي والنسائي ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، من حديث أبي هريرة أنه قال لعبد الله بن سلام : أخبرني ولا تضنّ . فقال عبد الله بن سلام : هي آخر ساعة في يوم الجمعة . قال أبو هريرة : فقلت : كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي . . . " وتلك الساعة لا يصلّى فيها ؟ فقال عبد الله بن سلام : ألم يقل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلّي . . . " الحديث . واختلف أيّ الحديثين أرجح ؟ فرجح مسلم ، فيما ذكره البيهقي ، حديث أبي موسى ، وبه قال جماعة منهم ابن العربي ، والقرطبي ، وقال : هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره ، وجزم في الروضة بأنه الصواب . ورجحه بعضهم أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا ، وبأنه في أحد الصحيحين . وتعقب بأن الرجيح بما فيهما ، أو في أحدهما ، إنما هو حيث لم يكن مما انتقده الحفاظ ، وهذا قد انتقد لأنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب ، لأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه ، قاله أحمد ، عن حماد بن خالد ، عن مخرمة نفسه . وقد رواه أبو إسحاق ، وواصل الأحدب ، ومعاوية بن قرة ، وغيرهم عن أبي بردة من قوله ، وهؤلاء من الكوفة ، وأبو بردة منها أيضًا ، فهو أعلم بحديثه من بكير المدني ، وهم عدد وهو واحد . ورجح آخرون : كأحمد وإسحاق ، قول ابن سلام ، واختاره ابن الزملكاني ، وحكاه عن نص الشافعي ميلاً إلى : أن هذه رحمة من الله تعالى للقائمين بحق هذا اليوم ، فأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل . وقيل في تعيينها غير ذلك مما يبلغ نحو الأربعين ، أضربت