أحمد بن محمد القسطلاني
191
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
عنها خوف الإطالة ، لا سيما وليست كلها متغايرة ، بل كثير منها يمكن اتحاده مع غيره . وما عدا القولين المذكورين موافق لهما . أو لأحدهما ، أو ضعيف الإسناد ، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف . وحقيقة الساعة المذكورة : جزء من الزمان مخصوص ، وتطلق على جزء من اثني عشر من مجموع النهار ، أو على جزء مقدّر من الزمان فلا يتحقق ، أو على الوقت الحاضر . ووقع في حديث جابر ، المروي عند أبي داود وغيره مرفوعًا بإسناد حسن ، ما يدل للأوّل ، ولفظه : " يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، فيه ساعة . . . إلخ " . ( لا يوافقها ) أي لا يصادفها ( عبد مسلم ) قصدها أو اتفق له وقوع الدعاء فيها ( وهو قائم ) جملة اسمية حالية ، ( يصلّي ) جملة فعلية حالية . والجملة الأولى خرجت مخرج الغالب ، لأن الغالب في المصلي أن يكون قائمًا ، فلا يعمل بمفهومها . وهو أنه لم يكن قائمًا لا يكون له هذا الحكم : أو المراد بالصلاة : انتظارها ، أو الدعاء . وبالقيام : الملازمة والمواظبة ، لا حقيقة القيام ، لأن منتظر الصلاة في حكم الصلاة ، كما مر من قول عبد الله بن سلام لأبي هريرة ، جمعًا بينه وبين قوله : إنها من العصر إلى الغروب . ومن ثم ، سقط عند أبي مصعب وابن أبي أويس ، ومطرف ، والتنيسي وقتيبة قوله : قائم يصلّي ( يسأل الله تعالى ) فها ( شيئًا ) مما يليق أن يدعو به المسلم ، ويسأل فيه ربه تعالى . ولمسلم من رواية محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، كالمصنف في الطلاق من رواية ابن علقمة ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة : " يسأل الله خيرًا " . ولابن ماجة . من حديث أبي أمامة : " ما لم يسأل حرامًا " . ولأحمد من حديث سعد بن عبادة : " ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم " . وقطيعة رحم من جملة الإثم ، فهو من عطف الخاص على العام للاهتمام به . ( إلاّ أعطاه إياه ) ( وأشار ) في رواية أبي مصعب عن مالك : وأشار رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( بيده ) الشريفة حال كونه ( يقللها ) من التقليل ، خلاف الكثير . وللمصنف من رواية سلمة بن علقمة المذكورة : ووضع أنملته على بطن الوسطى ، أو الخنصر ، قلنا : يزهدها . وبيّن أبو مسلم الكجي أن الذي وضع هو : بشر بن الفضل ، راوية عن سلمة بن علقمة ، وكأنه فسر الإشارة بذلك : وأنها ساعة لطيفة ، تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره ، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله : يزهدها ، أي : يقللها . ولمسلم : وهي ساعة خفيفة . فإن قلت : قد سبق حديث " يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة ، فيه ساعة . . . إلخ " ، ومقتضاه أنها غير خفيفة . أجيب : بأنه ليس المراد أنها مستغرقة للوقت المذكور ، بل المراد أنها لا تخرج عنه ، لأنها لحظة خفيفة ، كما مر . وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه ، فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلاً ، وانتهاؤها وانتهاء الصلاة . واستشكل حصول الإجابة لكل داع بشرطه ، مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي ، فيتقدم بعض على بعض ، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت ، فكيف يتفق مع الاختلاف ؟ وأجيب : باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كل مصلٍّ ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة . ولعل هذه فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها ، وإن كانت هي خفيفة . قاله في فتح الباري . وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي في الجمعة . 38 - باب إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فَصَلاَةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ ( باب ) بالتنوين ( إذا نفر الناس عن الإمام ) أي : خرجوا عن مجلسه ، وذهبوا ( في صلاة الجمعة ، فصلاة الإمام و ) صلاة ( من بقي ) معه ( جائزة ) بالرفع ، خبر المبتدأ الذي هو : فصلاة الإمام ، وللأصيلي : تامّة . وظاهر الترجمة أنه يشترط استدامة من تنعقد بهم الجمعة من ابتدائها إلى انتهائها ، بل يشترط بقاء بقية ما منهم ، ولم يذكر المؤلّف رحمه الله حديثًا يستدل به على عدد مَن تنعقد بهم الجمعة ، لأنه لم يجد فيه شيئًا على شرطه . ومذهب الشافعية والحنابلة اشتراط أربعين ، منهم الإمام ، وأن يكونوا مسلمين أحرارًا متوطنين ببلد الجمعة ، لا يظعنون شتاءً ولا صيفًا إلاّ لحاجة ، لحديث كعب بن مالك ، قال : " أوّل من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة ، قبل مقدمه عليه الصلاة والسلام المدينة ، في نقيع الخضمات ، وكنا أربعين رجلاً " . رواه البيهقي وغيره ، وصححوه . وروى البيهقي أيضًا : أنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلاً . وعورض بأنه لا يدل على شرطيته . وأجيب بما قاله في المجموع ،