أحمد بن محمد القسطلاني
189
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
قرية بدمشق ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ) الأنصاري المدني ( عن أنس بن مالك ) رضي الله عنه ( قال : أصابت الناس سنة ) بفتح السين المهملة ، أي : شدة وجهد من الجدوبة ، ( على عهد النبي ) أي : زمنه ، ولابن عساكر : على عهد رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فبينما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب في يوم جمعة ، قام أعرابي ) من سكان البادية ، لا يعرف اسمه ( فقال : يا رسول الله ! هلك المال ) الحيوانات ، لفقد ما ترعاه ( وجاع العيال ) لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر ( فادع الله لنا ) أن يسقينا . ( فرفع ) عليه الصلاة والسلام ( يديه - وما نرى في السماء قزعة - ) بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات ، قطعة من سحاب ، أو رقيقه الذي إذا مرّ تحت السحاب الكثيرة كان كأنه ظل . قال أنس : ( فوالذي نفسي بيده ، ما وضعها ) أي : يده ، ولأبي ذر ، والأصيلي ، عن الكشميهني : ما وضعهما ، أي : يديه ( حتى ثار السحاب ) بالمثلثة ، أي : هاج وانتشر ( أمثال الجبال ) من كثرته ، ( ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر ) ينحدر ، أي : ينزل ويقطر ( على لحيته ) الشريفة ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فمطرنا ) بضم الميم وكسر الطاء ، أي : حصل لنا المطر ( يومنا ) نصب على الظرفية ، أي : في يومنا ( ذلك ، ومن الغد ) حرف الجر إما بمعنى في ، أو للتبعيض ، ( وبعد الغد ) ولأبوي ذر ، والوقت ، والأصيلي ، وابن عساكر : ومن بعد الغد ( والذي يليه ، حتى الجمعة الأخرى ) بالجر في الفرع وأصله ، على أن حتى : جارة ، ويجوز النصب ، عطفًا على سابقه المنصوب ، والرفع ، على أن مدخولها مبتدأ خبره محذوف . ( وقام ) بالواو ، ولأبي ذر ، والأصيلي ، وابن عساكر : فقام ( ذلك الأعرابي - أو قال ) قام ( غيره - فقال : يا رسول الله ! تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله لنا ) . ( فرفع ) عليه الصلاة والسلام ( يده فقال ) : ( اللهمَّ ) ولأبي ذر ، وابن عساكر : فرفع يديه : اللهم ( حوالينا ) بفتح اللام أي : أنزل أو أمطر حوالينا ( ولا ) تنزله ( علينا ) أراد به الأبنية . ( فما يشير ) عليه الصلاة والسلام ( بيده ) الشريفة ( إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ) إلا انكشفت ، أو تدوّرت كما يدوّر جيب القميص . ( وصارت المدينة مثل الجوبة ) بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الموحدة ، الفرجة المستديرة في السحاب أي : خرجنا والغيم والسحاب محيطان بأكناف المدينة . ( وسال الوادي قناة ) بقاف مفتوحة فنون مخففة فألف فهاء تأنيث ، مرفوع على البدل ، من الوادي غير منصرف للتأنيث والعلمية ، إذ هو اسم لوادٍ معين من أودية المدينة ، أي : جرى فيه المطر ( شهرًا . ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود ) بفتح الجيم ، أي : بالمطر الغزير . ورواة الحديث ما بين : مدني ودمشقي ، وفيه التحديث والعنعنة والقول ، وشيخه من أفراده ، وأخرجه أيضًا في الاستسقاء والاستئذان ، ومسلم والنسائي في الصلاة . 36 - باب الإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِذَا قَالَ لِصَاحِبِهِ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا . وَقَالَ سَلْمَانُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ . ( باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب ) . ( وإذا قال ) الرجل ( لصاحبه ) إذا سمعه يتكلم ( أنصت ) أمر من أنصت ينصت إنصاتًا ، أي : اسكت ( فقد لغا ) . قال : اللغو ، وهو الكلام الذي لا أصل له ، من الأباطيل أو غير ذلك ، مما سيأتي إن شاء الله تعالى . وقوله : إذا قال . . . إلخ ، من بقية الترجمة ، وهو لفظ حديث الباب في بعض طرقه عند النسائي . ( وقال سلمان ) مما وصله مطوّلاً في باب الدهن للجمعة ، فيما سبق ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ينصت ) بضم أوّله على الأفصح ، مضارع : أنصت ، للأصيلي : وينصت ، بالواو ، أي : يسكت ( إذا تكلم الامام ) . 934 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : أَنْصِتْ - وَالإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة ( قال : حدّثنا الليث ) بن سعد ( عن عقيل ) بضم العين ، هو ابن خالد الأيلي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة ) رضي الله عنه ( أخبره أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إذا قلت لصاحبك ) الذي تخاطبه إذا ذاك ، أو جليسك ( يوم الجمعة أنصت - والإمام يخطب - ) جملة حالية مُشعِرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة : خلافًا لمن قال بخروج الإمام ، كما مر . نعم ، الأحسن الإنصات كما مر . ( فقد لغوت ) .