أحمد بن محمد القسطلاني
158
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الحموي ، والمستملي ، قال : الوضوء ، بحذف الواو كما ذكرته ، وحينئذ فلا اعتراض . والله أعلم . وقوله : أيضًا منصوب على أنه مصدر من : آض يئيض ، أي عاد ورجع ، والمعنى : ألم يكفك أن فاتك فضل التبكير حتى أضفت إليه ترك الغسل المرغب فيه ؟ ( و ) الحال أن ( قد علمت أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يأمر ) في رواية جويرية : كنّا نؤمر ( بالغسل ) ؟ لمن يريد المجيء إلى الجمعة . وفي حديث أبي هريرة في هذه القصة في الصحيحين : أن عمر قال : " ألم تسمع أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " إذا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل " . ورواة حديث الباب ما بين بصري ومدني ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وتابعي عن تابعي عن صحابي ، والتحديث والعنعنة ، وأخرجه الترمذي : في الصلاة . 879 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ » . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) هو : ابن أنس ( عن صفوان بن سليم ) بضم السين ، الزهري المدني ( عن عطاء بن يسار ) بالمثناة التحتية والمهملة المخففة ، مولى ميمونة رضي الله عنها ( عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( غسل يوم الجمعة ) تمسك به من قال : الغسل لليوم ، للإضافة إليه ومذهب الشافعية والمالكية وأبي يوسف : للصلاة لزيادة فضيلتها على الوقت ، واختصاص الطهارة بها ، كما مرّ ، دليلاً وتعليلاً ( واجب ) أي : كالواجب في تأكيد الندبية ، أو واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة ، أو في الكيفية لا في الحكم ، ( على كل محتلم ) أي بالغ ، فخرج الصبي ، وذكر الاحتلام لكونه الغالب . وقد تمسك به من قال بالوجوب ، وهو مذهب الظاهرية . وحكي عن جماعة من السلف منهم أبو هريرة وعمار بن ياسر ، وحكي عن أحمد في إحدى الروايتين عنه لنا قوله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل " . رواه الترمذي وحسنه ، وهو صارف للوجوب المذكور ، وقوله : فبها ، أي : فبالسنة أخذ ، أي : بما جوّزته من الاقتصار على الوضوء ، ونعمت الخصلة . أي : الفعلة ، والغسل معها أفضل . واستدلّ الشافعي رحمه الله في الرسالة لعدم الوجوب بقصة عثمان وعمر السابقة ، وعبارته : فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل ، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل ، دلّ ذلك على أنهم قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار . اه - . وقيل : الوجوب منسوخ ، وعورض بأن النسخ لا يصار إليه إلاّ بدليل . ومجموع الأحاديث يدل على استمرار الحكم ، فإن في حديث عائشة : إن ذلك كان في أوّل الحال حيث كانوا مجهودين : وكان أبو هريرة وابن عباس إنما صحبا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد أن حصل التوسع بالنسبة إلى ما كانوا فيه أولاً ، ومع ذلك ، فقد سمع كلٌّ منهما منه عليه الصلاة والسلام الأمر بالغسل ، والحثّ عليه ، والترغيب فيه . فكيف يدّعي النسخ مع ذلك . وأما تأويل القدوري ، من الحنفية ، قوله : واجب ، بمعنى ساقط . و : على ، بمعنى : عن ، فلا يخفى ما فيه من التكلّف . وأما قول بعضهم : إنه ليس بشرط بل واجب مستقل تصح الصلاة بدونه ، وكان أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح التي تتأذى منها الملائكة والناس ، فيلزم منه تأثيم سيدنا عثمان رضي الله عنه . وأجيب : بأنه كان معذورًا لأنه إنما تركه ذاهلاً عن الوقت . 3 - باب الطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ ( باب الطيب للجمعة ) . 880 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : " أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَأَنْ يَسْتَنَّ ، وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ " . قَالَ عَمْرٌو : أَمَّا الْغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لاَ ، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هَذَا . رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ وَعِدَّةٌ . وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ " . وبه قال : ( حدّثنا علي ) هو ابن المديني ، ولابن عساكر : عليّ بن عبد الله بن جعفر ( قال : حدّثنا ) ولأبوي ذر والوقت : أخبرنا ( حرمي بن عمارة ) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم في الأول ، وبضم العين وتخفيف الميم في الآخر ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن أبي بكر بن المنكدر ) بضم الميم وسكون النون وفتح الكاف ، ابن عبد الله بن ربيعة التابعي ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( عمرو بن سليم ) بفتح العين وسكون الميم في الأول ، وضم المهملة وفتح اللام في الثاني ( الأنصاري ) التابعي ( قال : أشهد على أبي سعيد ) الخدري ، رضي الله عنه ، ( قال : أشهد على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عبر بلفظ أشهد ، للتأكيد أنه ( قال ) : ( الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ) أي بالغ . وهو مجاز لأن الاحتلام يستلزم البلوغ ، والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل ، سواء كان يوم الجمعة أو لا