أحمد بن محمد القسطلاني
145
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
السدي ، قال : أنسًا كيف أنصرف إذا صليت ، عن يميني أو عن يساري ؟ قال : أمّا أنا ، فأكثر ما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ينصرف عن يمينه . أجيب بأن أنسًا إنما عاب من يعتقد تحتّم ذلك ووجوبه ، وأما إذا استوى الأمران ، فجهة اليمين أولى ، لأنه عليه الصلاة والسلام : كان أكثر انصرافه لجهة اليمين ، كما سيأتي في الحديث الآتي ، إن شاء الله تعالى ، ويجب التيامن في شأنه كله . 852 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : " لاَ يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاَتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ " . وبه قال : ( حدّثنا أبو الوليد ) هشام بن عبد الملك ( قال : حدّثنا ) ولأبي ذر : أخبرنا ( شعبة ) بن الحجاج ، ( عن سليمان ) بن مهران الأعمش ( عن عمارة بن عمير ) بضم العين فيهما ، ( عن الأسود ) بن يزيد النخعي ( قال : قال عبد الله ) بن مسعود ، رضي الله عنه : ( لا يجعل ) وللكشميهني : لا يجعلن ، بنون التوكيد ، ( أحدكم للشيطان شيئًا ) ولمسلم : جزءًا ( من صلاته يرى ) بفتح أوّله ، أي : يعتقد ، ويجوز الضم أي : يظن ( أن حقًّا عليه أن لا ينصرف إلاّ عن يمينه ) بيان لما قبله ، وهو الجعل أو استئناف بياني . كأنه قيل : كيف يجعل للشيطان شيئًا من صلاته ؟ فقال : يرى أن حقًّا عليه إلى آخره . وقوله : أن لا ينصرف ، في موضع رفع خبر أن ، واستشكل بأنه معرفة ، إذ تقديره عدم الانصراف ، فكيف يكون اسمها نكرة وهو معرفة ؟ وأجيب : بأن النكرة المخصوصة كالمعرفة ، أو من باب القلب ، أي : يرى أن عدم الانصراف حق عليه . قاله البرماوي تبعًا للكرماني . وتعقبه العيني فقال : هذا تعسف ، والظاهر أن المعنى : يرى واجبًا عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه والله ( لقد رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كثيرًا ) حال كونه ( ينصرف عن يساره ) . واستنبط ابن المنير منه : أن المندوب ربما انقلب مكروهًا إذا خيف على الناس أن يرفعوه عن رتبته ، لأن التيامن مستحب . لكن لما خشي ابن مسعود أن يعتقد وجوبه ، أشار إلى كراهته . قال أبو عبيدة لن انصرف عن يساره : هذا أصاب السُّنّة ، يريد والله أعلم ، حيث لم يلزم التيامن على أنه سُنّة مؤكدة أو واجب ، وإلا فما يظن أن التياسر سُنّة حتى يكون التيامن بدعة ، إنما البدعة في رفع التيامن عن رتبته . قاله في المصابيح . ورواة هذا الحديث ما بين كوفي وواسطي وبصري ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة ، وثلاثة من التابعين ، وأخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجة : في الصلاة . والله أعلم . 160 - باب مَا جَاءَ فِي الثُّومِ النَّىِّء وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ أَكَلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا » . ( باب ما جاء في ) أكل ( الثوم النيء ) بنون مكسورة فمثناة تحتية فهمزة ممدودة ، وقد تدغم ، وهو مجرور ، صفة لسابقه المضموم المثلثة ، أي غير النضيج ( و ) ما جاء في أكل ( البصل والكراث ) بضم الكاف وتشديد الراء آخره مثلثة . ( وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بجرّ لام القول عطفًا على المجرور السابق ، ومقول قوله عليه الصلاة والسلام ( من أكل الثوم أو البصل ) أي : النيء ( من الجوع ، أو غيره ) كالأكل للتشهّي ، والتأدّم بالخبز ( فلا يقربن مسجدنا ) بنون التأكيد المشددة . وليس هذا لفظ حديث ، بل هو من تفقه المصنف ، وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى . والتقييد : بالجوع أو غيره ، مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر ، المروي في مسلم ، ولفظه : نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أكل البصل والكراث ، فغلبتنا الحاجة ، فأكلنا منه . . . الحديث . والحاجة تشمل الجوع وغيره . وأصرح منه ما في حديث أبي سعيد : ثم بعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع . . . الحديث . 853 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ : مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يَعْنِي الثُّومَ - فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا " . [ الحديث 853 - أطرافه في : 4215 ، 4217 ، 4218 ، 5521 ، 5522 ] . وبالسند إلى البخاري رحمه الله قال : ( حدّثنا مسدد ) هو ابن مسرهد ( قال : حدّثنا يحيى ) بن سعيد القطان ( عن عبيد الله ) بضم العين ، ابن عمر العمري ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( نافع ) مولى ابن عمر ( عن ابن عمر ) بن الخطاب ( رضي الله عنهما ، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ، في غزوة خيبر ) سنة سبع من الهجرة : ( من أكل من هذه الشجرة ) ( يعني الثوم ) يحتمل أن يكون القائل : يعني ، هو عبيد الله العمري ، كما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله ( فلا يقربن مسجدنا ) بنون التأكيد المشددة أي : المكان الذي أعدّه ليصلّي فيه مدة إقامته بخيبر ، أو المراد بالمسجد : الجنس ، والإضافة إلى المسلمين