أحمد بن محمد القسطلاني

146

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ويدل له رواية أحمد عن يحيى القطان فيه بلفظ : فلا يقربن المساجد : وحكم رحبة المسجد حكمه لأنها منه ، ولذا كان عليه الصلاة والسلام إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج مَن وجدت منه إلى البقيع ، كما ثبت في مسلم عن عمر رضي الله عنه ، ويلحق بالثوم كل ذي ريح كريه . وألحق بعضهم به من بفيه بخر ، أو لجرحه رائحة ، وكالمجذوم والأبرص ، وأصحاب الصنائع الكريهة : كالسماك ، وتاجر الكتان ، والغزل . وعورض بأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع ، بخلاف : الأبخر والمجذوم ، فكيف يلحق المضطر بالمختار . اه - . وزاد مسلم من رواية ابن نمير عن عبيد الله : حتى ذهب ريحها . وسمى الثوم بالشجرة ، والشجرة ما كان على ساق له وما لا ساق له يسمى نجمًا . كما أن اسم كلٍّ منهما قد يطلق على الآخر ، ونطق أفصح الفصحاء من أقوى الدلائل . 854 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - « مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ - يُرِيدُ الثُّومَ - فَلاَ يَغْشَانَا فِي مَسَاجِدِنَا » . قُلْتُ : مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلاَّ نِيئَهُ . وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : إِلاَّ نَتْنَهُ . [ الحديث 854 - أطرافه في : 855 ، 5452 ، 7359 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) أي : ابن اليمان الجعفي المسندي المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين ( قال : حدّثنا أبو عاصم ) الضحاك بن مخلد النبيل ، شيخ المؤلّف ، وربما روى عنه بواسطة كما هنا ( قال : أخبرنا ابن جريج ) عبد الملك ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( عطاء ) هو ابن أبي رباح ( قال : سمعت جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( قال : قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( من كل من هذه الشجرة ) ( يريد الثوم ) يحتمل أن يكون الذي فسر هو ابن جريج كما قاله الحافظ ابن حجر ، رحمه الله تعالى . ( فلا يغشانا ) بألف بعد الشين المعجمة إجراء للمعتل مجرى الصحيح ، كقوله : إذا العجوز غضبت فطلق . . . ولا ترضاها ولا تملق أو الألف من إشباع فتحية يغشنا ، أو خبر بمعنى النهي ، أي : فلا يأتنا ( في مساجدنا ) وللحموي والمستملي : مسجدنا ، بالإفراد . قال عطاء ( قلت ) لجابر : ( ما يعني به ) أي : بالثوم أنضيجًا أم نيًّا ؟ ( قال ) جابر : ( ما أراه ) بضم الهمزة أي : ما أظنه عليه الصلاة والسلام ( يعني ) أي يقصد ( إلا نيئه ) بكسر النون مع الهمزة والمد ، كما في الفرع وأصله وجزم الكرماني بأن السائل عطاء . والمسؤول جابر ، وتبعه البرماوي ، والعيني . وقال الحافظ ابن حجر : أظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء . وفي مصنف عبد الرزاق ما يرشد إلى ذلك . اه - . ومقتضى قوله : إلا نيئه ، أنه لا يكره المطبوخ . وفي حديث عليّ ، المروي عند أبي داود ، قال : نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا . وفي حديث معاوية بن قرة ، عن أبيه أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : " من أكلهما فلا يقربن مسجدنا " . وقال : " إن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخًا " . ( وقال مخلد بن يزيد ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ويزيد من الزيادة ، والحراني المتوفى سنة ثلاث وتسعين ومائة ، يروي ( عن ابن جريج ) عبد الملك : ( إلا نتنه ) بفتح النون وسكون المثناة الفوقية بعدها نون أخرى . أي : قال بدل نيئه ، نتنه . وهو الرائحة الكريهة . ونقل ابن التين عن مالك أنه قال : الفجل إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم ، وقيده القاضي عياض بالجشاء : ونص في الطبراني الصغير ، في حديث أبي الزبير عن جابر : على الفجل ، لكن في إسناده يحيى بن راشد وهو ضعيف . وقد وقع حديث جابر هذا مقدمًا على سابقه في بعض الأصول ، وعلى أولهما في فرع اليونينية ، كهي ، علامة التقديم والتأخير ، ورمز أبي ذر وعليه شرح العيني . ورواة حديث جابر هذا ما بين بخاري وبصري ومكّي وشيخ المؤلّف المسندي من أفراده ، وفيه التحديث والإخبار والسماع والقول ، وأخرجه مسلم والنسائي : في الصلاة ، والترمذي في الأطعمة . 855 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلْنَا - أَوْ قَالَ - فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ . وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا ، فَسَأَلَ ، فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ قَالَ : قَرِّبُوهَا - إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ - فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ : كُلْ ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لاَ تُنَاجِي " . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنُ وَهْبٍ " أُتِيَ بِبَدْرٍ " قَالَ ابنُ وَهبٍ : يَعْنِي طَبَقًا فِيهِ خُضَرَاتٌ . وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ وَأَبُو صَفْوَانَ عَنْ يُونُسَ قِصَّةَ الْقِدْرِ ، فَلاَ أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الْحَدِيثِ . وبه قال : ( حدّثنا سعيد بن عفير ) هو سعيد بن كثير بن عفير ، بضم العين المهملة وفتح الفاء ، المصري ( قال : حدّثنا ابن وهب ) عبد الله المصري أيضًا ( عن يونس ) بن يزيد ( عن ابن شهاب ) الزهري ( زعم عطاء ) هو ابن أبي رباح أي : قال : لأن المراد بالزعم هنا القول المحقق وللأصيلي : عن عطاء ( أن جابر بن عبد الله ) الأنصاري ( زعم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) ( من أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا ) ( أو قال : فليعتزل )