أحمد بن محمد القسطلاني
144
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
يكره له المكث قاعدًا يشتغل بالدعاء ، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، والتسبيح قبل أن يصلّي السُّنّة . لأن القيام إلى السُّنّة بعد أداء الفريضة أفضل من الدعاء والتسبيح والصلاة ، ولأن الصلاة مشتقة من المواصلة ، وبكثرة الصلاة يصل العبد إلى مقصوده ه - . من المحيط . وأما الصلاة التي لا يتنفل بعدها : كالعصر ، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور ، ولا يتعين له مكان ، بل إن شاؤوا انصرفوا وذكروا ، وإن شاؤوا مكثوا وذكروا . وعلى الثاني : إن كان للإمام عادة أن يعلمهم أو يعظهم فيستحب أن يقبل عليهم جميعًا ، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور ، فهل يقبل عليهم جميعًا أو ينتقل فيجعل يمينه من قبل المأمومين ويساره من قبل القبلة ويدعو ؟ جزم بالثاني أكثر الشافعية . ويحتمل أنه إن قصر زمن ذلك يستمر مستقبلاً للقبلة من أجل أنها أليق بالدعاء . ويحمل الأوّل على ما لو أطال الذكر والدعاء . اه - . والله الموفق . 158 - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكَرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ ( باب من صلّى بالناس فذكر حاجة فتخاطهم ) بعد أن سلم وترك المكث . 851 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُقْبَةَ قَالَ : " صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ : ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي ، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ " . [ الحديث 851 - أطرافه في : 1221 ، 1430 ، 6275 ] . وبالسند إلى المؤلّف ، قال : ( حدّثنا محمد بن عبيد ) بضم العين ، العلاف ، ولابن عساكر : ابن ميمون ( قال : حدّثنا عيسى بن يونس ) بن أبي إسحاق السبيعي ، كان يغزو سنة ويحج أخرى توفي سنة سبع وثمانين ومائة ، ( عن عمر بن سعيد ) بضم العين وفتح الميم في الأوّل . وكسر العين في الثاني ، ابن أبي حسن النوفلي المكي ( قال : أخبرني ابن أبي مليكة ) بضم الميم ( عن عقبة ) بن الحرث النوفلي ، أبي سروعة ، بكسر السين وفتحها ( قال : صلّيت وراء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمدينة ، العصر ، فسلم ثم قام ) كذا للكشميهني ، وفي رواية الحموي والمستملي : فسلم فقام ، حال كونه ( مسرعًا ؛ فتخطى ) بغير همز ، أي تجاوز ( رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ) . فيه أن للإمام أن ينصرف متى شاء ، وأن التخطي لما لا غنى عنه مباح ، وأن من وجب عليه فرض فالأفضل مبادرته إليه . ( ففزع الناس ) بكسر الزاي : أي خافوا ( من سرعته ) وكانت هذه عادتهم ، إذا رأوا منه عليه الصلاة والسلام ، غير ما يعهدونه ، خشية أن ينزل فيهم شيء فيسوءهم ، ( فخرج ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الحجرة ( عليهم ) ولابن عساكر ، إليهم ( فرأى أنهم عجبوا ) وللكشميهني : أنهم قد عجبوا ( من سرعته ، فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( ذكرت ) بفتح الذال والكاف ، أو بالضم والكسر ، وأنا في الصلاة ( شيئًا من تبر ) بكسر المثناة شيئًا من ذهب أو فضة غير مضوغ ، أو من ذهب فقط . وفي رواية أبي عاصم : تبرًا من الصدقة ( عندنا ، فكرهت أن يحبسني ) أي : يشغلني التفكّر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى ( فأمرت بقسمته ) بكسر القاف والمثناة الفوقية بعد الميم ، ولأبي ذر وابن عساكر : بقسمة القاف من غير مثناة ، وفي رواية أبي عاصم : فقسمته . ويؤخذ منه أن عروض الذكر في الصلاة في أجنبي عنها من وجوه الخير ، وإنشاء العزم في أثنائها على الأمور المحمودة ، لا يفسدها ، ولا يقدح في كمالها . واستنبط منه ابن بطال : أن تأخر الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة في الموقف . ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفي ومكّي ، وفيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول ، وشيخ البخاري من أفراده ، وأخرجه أيضًا في الصلاة والزكاة والاستئذان ، والنسائي في الصلاة . 159 - باب الاِنْفِتَالِ وَالاِنْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى - أَوْ مَنْ يَعْمِدُ - الاِنْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ . ( باب الانفتال ) لاستقبال المأمومين ( والانصراف ) لحاجته ( عن اليمين والشمال ) أي عن يمين المصلي وعن شماله ، فالألف واللام عوض عن المضاف إليه . ( وكان أنس ) ولأبي ذر : أنس بن مالك ، مما وصله مسدد في مسنده الكبير ، من طريق سعيد عن قتادة ، قال : كان أنس ( ينفتل ) أي ينصرف ( عن يمينه وعن يساره ، ويعيب على من يتوخى ) بالخاء المعجمة المشددة ، أي يقصد ويتحرى ( - أو من يعمد - الانفتال عن يمينه ) بفتح المثناة التحتية وسكون العين وكسر الميم ، شك من الراوي . وفي رواية أبي ذر : أو من تعمد ، بفتح المثناة الفوقية والعين والميم المشدّدة ، ولابن عساكر والأصيلي : أو يعمد ، بفتح المثناة التحتية وسكون العين وكسر الميم مع إسقاط : من . فإن قلت : هذا يخالف ما في مسلم من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن