أحمد بن محمد القسطلاني

116

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( بأمته ، ولا يتكلم ) لشدّة الهول ( يومئذ ) أي حال الإجازة على الصراط ( أحد إلا الرسل ، وكلام الرسل يومئذ ) على الصراط : ( اللهم سلّم سلّم ) شفقة منهم على الخلق ورحمة ( وفي جهنم كلاليب ) جمع كلوب ، بفتح الكاف وضم اللام ( مثل شوك السعدان ) بفتح أوّله ، نبت له شوك من جيد مراعي الإبل ، يضرب به المثل فيقال : مرعى ولا كالسعدان . ( هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا : نعم ) رأيناه ( قال : فإنها ) أي الكلاليب ( مثل شوك السعدان ، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ) تعالى ، ( تخطف ) بفتح الطاء في الأفصح ، وقد تكسر ، وللكشميهني : فتختطف بالفاء في أوّله وفوقية بعد الخاء وكسر الطاء ، أي تأخذ ( الناس ) بسرعة ( بأعمالهم ) أي بسبب أعمالهم السيئة ، أو على حسب أعمالهم ، أو بقدرها ( فمنهم من يوبق ) بموحدة ، مبنيًّا للمفعول ، أي : يهلك ( بعمله ) وقال الطبري : يوثق بالمثلثة ، من الوثاق ، ( ومنهم من يخردل ) بخاء معجمة ودال مهمة ، وعن عبيد بالذال المعجمة ، أي يقطع صغارًا كالخردل ، والمعنى : أنه تقطعه كلاليب الصراط حتى يهوي إلى النار ، وللأصيلي : بالجيم ، من الجردلة ، بمعنى : الإشراف على الهلاك ( ثم ينجو ، حتى إذا أراد الله ) عز وجل ( رحمة من أراد من أهل النار ) أي الداخلين فيها وهم المؤمنون الخلص ، إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا ، ( أمر الله الملائكة أن يخرجوا ) منها ( من كان يعبد الله ) وحده ، ( فيخرجونهم ) منها ، ( ويعرفونهم بآثار السجود ، وحرم الله ) عز وجل ( على النار أن تأكل أثر السجود ) أي موضع أثره ، وهي الأعضاء السبعة ، أو الجهة خاصة لحديث ، إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم ، رواه مسلم : وهذا موضع الترجمة . واستشهد له ابن بطال بحديث : أقرب ما يكون العبد إذا سجد ، وهو واضح . وقال الله تعالى { واسجد واقترب } [ العلق : 19 ] . وقال بعضهم : إن الله تعالى يباهي بالساجدين من عبيده ملائكته المقرّبين . يقول لهم : يا ملائكتي أنا قربتكم ابتداءً ، وجعلتكم من خواص ملائكتي ، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرة ، وموانع عظيمة مِن أغراض نفسية ، وشهوات حسيّة ، وتدبير أهل ومال وأهوال ، فقطع كل ذلك وجاهد حتى سجد واقترب ، فكان من المقربين . قال : ولعن الله إبليس لإبائه عن السجود لعنة أبلسه بها وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة . اه - . وعورض بأن السجود الذي أمر به إبليس لا تعلم هيئته ولا تقتضي اللعنة اختصاص السجود بالهيئة العرفية ، وأيضًا فإبليس إنما استوجب اللعنة بكفره حيث جحد ما نص الله عليه من فضل آدم ، فجنح إلى قياس فاسد يعارض به النص ، ويكذبه ، ولعنه الله . قاله ابن المنير : ( فيخرجون من النار ، فكل ابن آدم تأكله النار ) أي : فكل أعضاء ابن آدم تأكلها النار ( إلا أثر السجود ) أي : مواضع أثره ( فيخرجون من النار قد امتحشوا ) بالمثناة الفوقية والمهملة المفتوحتين والشين المعجمة ، بالبناء للفاعل ، وفي بعض النسخ : امتحشوا ، بضم المثناة وكسر الحاء ، بالبناء للمفعول . أي : احترقوا واسودّوا . ( فيصب عليهم ) بضم المثناة مبنيًّا للمفعول ، والنائب عن الفاعل قوله : ( ماء الحياة ) الذي من شرب منه أو صب عليه لم يمت أبدًا ، ( فينبتون كما تنبت الحبة ) بكسر الحاء المهملة . بزور الصحراء مما ليس بقوت ( في حميل السيل ) بفتح الحاء المهملة وكسر الميم ، ما جاء به من طين ونحوه . شبه به لأنه أسرع في الإنبات ( ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ) ، الإسناد فيه مجازي ، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن ، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثواب والعقاب ، ( ويبقى رجل بين الجنة والنار ، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة ) حال كونه ( مقبلاً بوجهه قبل النار ) بكسر القاف وفتح الموحدة : أي : جهتها . ولغير أبوي ذر والوقت وابن عساكر : مقبل بالرفع ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو مقبل ( فيقول : يا رب اصرف وجهي عن النار ) وللحموي والمستملي : من النار ( قد ) ولأبي ذر : فقد ( قشبني ) بقاف فشين معجمة مخففة فموحدة مفتوحات ، والذي في اللغة بتشديدة الشين ، أي سمني وأهلكني ( ريحها ) ، وكل مسموم قشيب ، أي : صار