أحمد بن محمد القسطلاني

117

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ريحها كالسم في أنفي ( وأحرقني ذكاؤها ) بفتح الذال المعجمة والمد ، وهو الذي في فرع اليونينية . قال النووي ، وهو الذي وقع في جميع الروايات ، أي : أحرقني لهبها واشتعالها وشدة وهجها ، ولأبي ذر ، مما في هامش الفرع ، وصحح عليه : ذكاها بالفتح والقصر . قال النووي : وهو الأشهر في اللغة ، وذكر جماعة أنهما لغتان . اه - . وعورض بأن ذكا النار مقصور يكتب بالألف ، لأنه من الواو من قولهم : ذكت النار تذكو ذكوًا ، فأما ذكاء بالمدّ فلم يأت عنهم في النار ، وإنما جاء في الفهم . ( فيقول ) الله تعالى : ( هل عسيت ) بفتح السين وكسرها ، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا ، ومع نا ، ومع نون الإناث ، نحو : عسينا وعسين ، وهي لغة الحجاز ، لكن قول الفراء : لست أستحبها لأنها شاذة يأبى كونها حجازية . وأجيب بأن المراد بكونها شاذة أي : قليلة بالنسبة إلى الفتح ، وإن ثبتت فعند أقلهم جمعًا بين القولين . ( إن فعل ذلك ) الصرف الذي يدل عليه قوله الآتي ، إن شاء الله تعالى : الصرف وجهي عن النار . والهمزة من أن مكسورة حرف شرط ، وفعل بضم الفاء وكسر العين ، مبنيًّا للمفعول ، ( بك أن تسأل ) بفتح همزة أن الخفيفة ، وتاليها نصب بها ( غير ذلك ) بالنصب بتسأل . ( فيقول ) الرجل : ( لا ، و ) حق ( عزتك ) لا أسأل غيره ، ( فيعطي الله ) أي الرجل ( ما يشاء ) بياء المضارعة ، ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر : ما شاء ، ( من عهد ) يمين ( وميثاق ، فيصرف الله ) تعالى ( وجهه عن النار ، فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها ) أي : حسنها ونضارتها ، وهذه الجملة بدل من جملة : أقبل على الجنة ( سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم قال : يا رب قدّمني عند باب الجنة . فيقول الله ) عز وجل . ( له : أليس قد أعطيت العهود والميثاق ) اسم ليس ضمير الشأن ، ولأبي ذر والأصيلي : والمواثيق ( أن لا تسأل غير الذي كنت سألت ؟ فيقول : يا رب ) أعطيت العهود ، لكن كرمك يطمعني ( لا أكون أشقى خلقك ) . قال الكرماني : أي لا أكون كافرًا ، وللكشميهني : لا أكونن . وقال السفاقسي : المعنى : إن أنت أبقيتني على هذه الحالة ولا تدخلني الجنة ، لأكونن أشقى خلقك الذين دخلوها . والألف زائدة في : لا أكون . ( فيقول ) الله : ( فما عسيت ) بكسر السين وفتحها . ( إن أعطيت ذلك ) : التقديم إلى باب الجنة ( أن لا تسأل غيره ) . بكسر همزة إن الأولى : شرطية ، وفتح الثانية : مصدرية وضم همزة أعطيت ، ولا زائدة كهي في { لئلا يعلم أهل الكتاب } [ الحديد : 129 ] أو أصلية . وما في قوله : فما عسيت نافية ، ونفي النفي إثبات ، أي : عسيت أن تسأل غيره . وأن لا تسأل خبر عسى وذلك : مفعول ثان لأعطيت ، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : أن تسأل ، بإسقاط لا . فما استفهامية ، وإنما قال الله تعالى ذلك ، وهو عالم كان وما يكون ، إظهارًا لا عهد من بني آدم من نقض العهد ، وأنهم أحق بأن لهم ذلك ، فمعنى عسى راجع للمخاطب لا إلى الله تعالى . ( فيقول ) الرجل ( لا و ) حق ( عزتك لا أسأل ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر : لا أسالك ، ( غير ذلك فيعطي ) الرجل ( ربه ما شاء من عهد وميثاق ، فيقدمه ) الله ( إلى باب الجنة ، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها ) بفاء العطف على بلغ ، كقوله ( وما فيها من النضرة ) بالضاد المعجمة الساكنة ، أي البهجة ( والسرور ) تحير ، ( فيسكت ما شاء الله أن يسكت ) ، بالفاء التفسيرية ، وأن مصدرية أي : ما شاء الله سكوته حياءً من ربه ، وهو تعالى يحب سؤاله لأنه يحب صوته ، فيباسطه بقوله : لعلك إن أعطيت هذا تسأل غيره ؟ وهذه حالة المقصر ، فكيف حالة المطيع . وليس نقض هذا العبد عهده جهلاً منه ، ولا قلة مبالاة ، بل علمًا منه أن نقض هذا العهد أولى من الوفاء ، لأن سؤاله ربه أولى من إبرار قسمه . قال عليه الصلاة والسلام : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليأت الذي هو خير . وجواب إذا محذوف وتقديره نحو : تحير كما مر . ( فيقول : يا رب أدخلني الجنة . فيقول الله ) عز وجل : ( ويحك ) نصب بفعل محذوف ، وهي كلمة رحمة ، كما أن ويلك كلمة عذاب ( يا ابن آدم ما أغدرك ! ) صيغة تعجب من الغدر ، وهو ترك الوفاء ( أليس قد أعطيت العهد والميثاق ) بفتح