أحمد بن محمد القسطلاني
115
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
جريج والضمير حينئذٍ راجع للزهري . قاله البرماوي كالكرماني . قال في فتح الباري : وهذا أقرب إلى الصواب ، ومقول ابن جريج هو : فجحش إلخ . . . ورواة هذا الحديث ما بين بصري ومكي ومدني ، وفيه التحديث والعنعنة والسماع ، وسبق في باب : إنما جعل الإمام ليؤتم به ، والله أعلم . 129 - باب فَضْلِ السُّجُودِ 806 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا " أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ ؟ قَالُوا : لاَ . قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقُولُ : مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا ، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا ، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ . فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَىْ جَهَنَّمَ ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلاَّ الرُّسُلُ ، وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ . وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ : فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ ، فَيُخْرِجُونَهُمْ ، وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ . ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ - وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ - مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا . فَيَقُولُ : هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : لاَ وَعِزَّتِكَ . فَيُعْطِي اللَّهَ مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا ، سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ . فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لاَ أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ . فَيَقُولُ : فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ، فَيَقُولُ : لاَ ، وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُ غَيْرَ ذَلِكَ . فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّهُ : وَيْحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ ، مَا أَغْدَرَكَ ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ . فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ : تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى . حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : مِن كَذَا وَكَذَا - أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ - حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ " . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهما - : - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : قَالَ اللَّهُ : لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلاَّ قَوْلَهُ : لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ " . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : « ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ » " . [ الحديث 806 - طرفاه في : 6573 ، 7437 ] . ( باب فضل السجود ) . وبه قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع ( قال : أخبرنا شعيب ) أي ابن أبي حمزة ( عن ) ابن شهاب ( الزهري قال : أخبرني ) بالإفراد ( سعيد بن المسيب ، وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة ) رضي الله عنه ( أخبرهما أن الناس قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ) أي نبصر ( ربنا يوم القيامة ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام : ( هل تمارون ) بضم التاء والراء ، من المماراة ، وهي : المجادلة وللأصيلي : تمارون ، بفتح التاء والراء ، وأصله . تتمارون حذفت إحدى التاءين . أي هل تشكون ( في ) رؤية ( القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ) ؟ ( قالوا : لا يا رسول الله . قال ) : ( فهل تمارون ) بضم التاء والراء أو بفتحهما ( في الشمس ) ولأبي ذر والأصيلي : في رؤية الشمس ( ليس دونها سحاب ) ( قالوا : لا . قال ) : وللأصيلي : قالوا : لا يا رسول الله . قال . ( فإنكم ترونه ) تعالى ( كذلك ) بلا مرية ظاهرًا جليًّا ينكشف تعالى لعباده بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة ، كنسبة الإبصار إلى هذه المبصرات المادّية ، لكنه يكون مجرّدًا عن ارتسام صورة المرئي ، وعن اتصال الشعاع بالمرئي ، وعن المحاذاة ، والجهة ، والمكان لأنها وإن كانت أمورًا رزمة للرؤية عادة ، فالعقل يجوّز ذلك بدونها ، ( ويحشر الناس يوم القيامة فيقول ) : الله تعالى ، أو : فيقول القائل ( من كان يعبد شيئًا فليتبع ) بتشديد المثناة الفوقية وكسر الموحدة ، ولأبوي ذر والوقت : فليتبعه ، بضمير المفعول مع التشديد والكسر ، أو التخفيف مع الفتح ، وهو الذي في اليونينية لا غير ( فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت ) جمع طاغوت ، الشيطان أو الصنم ، أو كل رأس في الضلال أو كل ما عبد من دون الله ، وصدّ عن عبادة الله ، أو الساحر ، أو الكاهن ، أو مردة أهل الكتاب ، فعلوت من الطغيان ، قلب عينه ولامه ( وتبقى هذه الأمة ) المحمدية ( فيها منافقوها ) يستترون بها كما كانوا في الدنيا ، واتبعوهم لما انكشفت لهما الحقيقة لعلهم ينتفعون بذلك ، حتى { ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب } ( فيأتيهم الله عز وجل ) أي يظهر لهم في غير صورته ، أي : في غير صفته التي يعرفونها من الصفات التي تبعدهم بها عن الدنيا امتحانًا منه ، ليقع التمييز بينهم وبين غيرهم ممن يعبد غيره تعالى ، ( فيقول : أنا ربكم ) فيستعيذون بالله منه لم يظهر لهم بالصفات التي يعرفونها بل بما استأثر بعلمه تعالى ، لأن معهم منافقين لا يستحقون الرؤية ، وهم من ربهم محجوبون ، ( فيقولون : هذا مكاننا ) بالرفع خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة ( حتى يأتينا ) يظهر لنا ( ربنا ، فإذا جاء ) ظهر ( ربنا عرفناه ، فيأتيهم الله ) عز وجل ، أي : يظهر متجليًّا بصفاته المعروفة عندهم ، وقد تميز المؤمن من المنافق ( فيقول : أنا ربكم ) فإذا رأوا ذلك عرفوه به تعالى ( فيقولون : أنت ربنا ) . ويحتمل أن يكون الأوّل قول المنافقين ، والثاني قول المؤمنين . وقيل : الآتي في الأوّل ملك ، ورجحه عياض أي : يأتيهم ملك الله ، حذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، وعورض بأن الملك معصوم ، فكيف يقول : أنا ربكم . وأجيب : بأنّا لا نسلم عصمته من هذه الصغيرة ، وردّ بأنه يلزم منه أن يكون قول فرعون : أنا ربكم من الصغائر ، فالصواب ما سبق . ( فيدعوهم ) ربهم ، ( فيضرب ) بالفاء وضم الياء وفتح الراء مبنيًّا للمفعول ، ولأبوي ذر والوقت وذر والأصيلي وابن عساكر : ويضرب ( الصراط بين ظهراني جهنم ) بفتح الظاء وسكون الهاء وفتح النون ، أي ظهري ، فزيدت الألف والنون للمبالغة ، أي على وسط جهنم ( فأكون أوّل من يجوز ) بالواو ، وفي بعض النسخ : يجيز ، بالياء مع ضم أوّله ، وهي لغة في : جاز . يقال : جاز بمعنى ، أي : يقطع مسافة الصراط . ( من الرسل ) عليهم الصلاة والسلام