أحمد بن محمد القسطلاني
99
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الإيمان ) بالهمزة الممدودة والمثناة التحتية المفتوحة أي علامة الإيمان الكامل ( حب الأنصار ) الأوس والخزرج جمع قلة على وزن أفعال ، واستشكل بأنه لا يكون لما فوق العشرة وهم ألوف : وأجيب بأن القلة والكثرة إنما يعتبران في نكرات الجموع ، أما في المعارف فلا فرق بينهما . ( وآية النفاق ) الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ( بغض الأنصار ) . إذا كان من حيث أنهم أنصاره عليه الصلاة والسلام ، لأنه لا يجتمع مع التصديق وإنما خصّوا بهذه المنقبة العظيمة والمنحة الجسيمة لما فازوا به من نصره عليه الصلاة والسلام والسعي في إظهاره وإيوائه وأصحابه ، ومؤاساتهم بأنفسهم وأموالهم ، وقيامهم بحقهم حق القيام مع معاداتهم جميع من وجد من قبائل العرب والعجم ، فمن ثم كان حبهم علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق مجازاة لهم على عملهم والجزاء من جنس العمل . وقال في شرح المشكاة : وإنما كان كذلك لأنهم تبوءوا الدار والإيمان وجعلوه مستقرًّا وموطنًا لتمكنهم منه واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك : فمن أحبهم فذلك من كمال إيمانه ، من أبغضهم فذلك من علامة نفاقه . فإن قلت : لم عدل عن لفظ الكفر إلى لفظ النفاق ؟ أجيب : بأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان وباطنه الكفر فميزهم عن ذوي الإيمان الحقيقي ، فلم يقل : وآية الكفر كذا إذ هو ليس بكافر ظاهرًا . وهذا الحديث وقع للمؤلف رباعي الإسناد ، ولمسلم خماسيه ، وفيه راوٍ وافق اسمه اسم أبيه . وفيه التحديث والإخبار بالجمع والإفراد والسماع ، وأخرجه المؤلف أيضًا في فضائل الأنصار ومسلم والنسائي . 11 - باب هذا ( باب ) بالتنوين بغير ترجمة : ولفظ الباب سقط عند الأصيلي ، وحينئذ فالحديث التالي من جملة الترجمة السابقة وعلى رواية إثباته فهو كالفصل عن سابقه مع تعلقه به . وفي الحديث السابق الإشارة لحب الأنصار ، وفي اللاحق ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار ، لأن ذلك كان ليلة العقبة لما تبايعوا على إعلاء توحيد الله وشريعته ، وقد كانوا يسمون قبل ذلك بني قيلة بقاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين ، فسماهم عليه الصلاة والسلام الأنصار لذلك . 18 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رضي الله عنه - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : « بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلاَ تَسْرِقُوا ، وَلاَ تَزْنُوا ، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ . فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ : إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ » . فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ . [ الحديث 18 - أطرافه في : 3892 ، 3893 ، 3999 ، 4894 ، 6784 ، 6801 ، 6873 ، 7055 ، 7199 ، 7213 ، 7468 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أبو اليمان ) الحكم بن نافع الحمصي ( قال : أخبرنا شعيب ) هو ابن أبي حمزة القرشي ( عن الزهري ) محمد بن مسلم أنه ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو إدريس عائذ الله ) بالمعجمة وهو اسم علم أي ذو عياذة الله فهو عطف بيان لقوله أبو إدريس ( بن عبد الله ) الصحابي ابن عمر الخولاني الدمشقي الصحابي ، لأن مولده كان عام حُنين ، التابعي الكبير من حيث الرواية المتوفى سنة ثمانين ، ( أن عبادة ) بضم العين ( ابن الصامت ) بن قيس الأنصاري الخزرجي المتوفى بالرملة سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وقيل : في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين ، وله في البخاري تسعة أحاديث ( رضي الله عنه وكان شهد بدرًا ) أي وقعتها ، فالنصب بقوله شهد وليس مفعولاً فيه ، ( وهو أحد النقباء ) جمع نقيب ، وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم وكانوا اثني عشر رجلاً ( ليلة العقبة ) بمنى ، أي فيها والواو في وهو كواو وكان هي الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ، وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت ولا ريب أن كون شهود عبادة بدر أو كونه من النقباء صفتان من صفاته ، ولا يجوز أن تكون الواوان للحال ولا للعطف ، قاله العيني . وهذا ذكره ابن هشام في مغنيه حاكيًا له عن الزمخشري في كشافه ، وعبارته في تفسير قوله تعالى في سورة الحجر { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُوم } [ الحجر : 4 ] جملة واقعة صفة لقرية ، والقياس أنه لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُون } [ الشعراء : 208 ] وإنما توسطت الواو لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ، كما يقال في الحال : جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب انتهى . وتعقبه ابن مالك في شرح تسهيله بأن ما ذهب إليه من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسد ، لأن مذهبه في هذه المسألة لا يعرف من البصريين ولا من الكوفيين معوّل عليه ، فوجب أن لا يلتفت إليه . وأيضًا فإنه معلل بما لا يناسب ، وذلك لأن الواو تدل