أحمد بن محمد القسطلاني

100

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

على الجمع بين ما قبلها وما بعدها ، وأيضًا مستلزم لتغايرهما ، وهو ضد لما يراد من التأكيد ، فلا يصح أن يقال للعاطف مؤكد . وأيضًا لو صلحت الواو لتأكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضعًا لا يصلح للحال ، نحو إن رجلاً رأيه سديد لسعيد ، فرأيه سديد جملة نعت بها ، ولا يجوز اقترانها بالواو ولعدم صلاحيتها للحال ، بخلاف { ولها كتاب معلوم } فإنها جملة يصلح في موضعها الحال لأنها بعد نفي . وتعقبه نجم الدين سعيد على الوجه الأوّل بأن الزمخشري أعرف باللغة مع أنه لا يلزم من عدم العرفان بالمعوّل عليه عدمه ، وعلى الثاني أن تغاير الشيئين لا ينافي تلاصقهما ، والجملة التي هي صفة لها التصاق بالموصوف ، والواو أكدت الالتصاق باعتبار أنها في أصلها للجمع المناسب للإلصاق لا أنها عاطفة ، وعلى الثالث أن المراد من الالتصاق ليس الالتصاق اللفظي كما فهمه ابن مالك بل المعنوي ، والواو تؤكد الثاني دون الأوّل . وتعقبه البدر الدماميني بأن قوله أعرف باللغة مجرد دعوى مع أنها لو سلمت لا تصلح لردّ أن هذا المذهب غير معروف لبصري ولا كوفي ، وإنما وجه الردّ أن يقال بل هو معروف ، ويبيّن من قاله منهم انتهى . وقد تبع الزمخشري في ذلك أبو البقاء ، وقال في الدران في محفوظه أن ابن جني سبق الزمخشري بذلك وقوّاه بآية { إلا لها منذرون } وقراءة ابن أبي عبلة إلا لها كتاب بإسقاط الواو ، ويحتمل أن يكون قائل ذلك أبا إدريس فيكون متصلاً إن حمل على أنه سمع ذلك من عبادة أو الزهري ، فيكون منقطعًا . والجملة اعتراض بين إن وخبرها الساقط من أصل الرواية هنا ، ولعلها سقطت من ناسخ بعده . واستمر بدليل ثبوتها عند المصنف في باب من شهد بدرًا والتقدير هنا أن عبادة بن الصامت أخبر ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال وحوله ) بالنصب على الظرفية ( عصابة من أصحابه ) بكسر العين ما بين العشرة إلى الأربعين ، والجملة اسمية حالية وعصابة مبتدأ خبره حوله مقدمًا ، ومن أصحابه صفة لعصابة ، وأشار الراوي بذلك إلى المبالغة في ضبط الحديث ، وأنه عن تحقيق وإتقان ، ولذا ذكر أن الراوي شهد بدرًا وأنه أحد النقباء والمراد به التقوية ، فإن الرواية تترجح عند المعارضة بفضل الراوي وشرفه . ومقول قوله عليه الصلاة والسلام . ( بايعوني ) أي عاقدوني ( على ) التوحيد ( أن لا تشركوا بالله شيئًا ) أي على ترك الإشراك وهو عام ، لأنه نكرة في سياق النهي كالنفي ، وقدمه على ما بعده لأنه الأصل . ( و ) على أن ( لا تسرقوا ) فيه حذف المفعول ليدل على العموم ، ( ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ) خصّهم بالذكر لأنهم كانوا في الغالب يقتلونهم خشية الإملاق ، أو لأن قتلهم أكثر من قتل غيرهم ، وهو الوأد وهو أشنع القتل ، أو أنه قتل وقطيعة رحم ، فصرف العناية إليه أكثر . ( ولا تأتوا ) بحذف النون ، ولغير الأربعة ولا تأتون ( ببهتان ) أي بكذب يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته كالرمي بالزنا والفضيحة والعار . وقوله ( تفترونه ) من الافتراء أي تختلقونه ( بين أيديكم وأرجلكم ) أي من قبل أنفسكم ، فكنى باليد والرجل عن الذات لأن الأفعال بهما ، والمعنى لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم أو أن البهتان ناشىء عما يختلقه القلب الذي هو بين الأيدي والأرجل ثم يبرزه بلسانه ، والمعنى لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحًا مواجهة ، ( ولا تعصوا في معروف ) وهو ما عرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا وليد به تطييبًا لقلوبهم ، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يأمر إلا به ، وقال البيضاوي في الآية والتقييد بالمعروف مع أن الرسول لا يأمر إلا به للتنبيه على أنه لا تجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق ، وخصّ ما ذكر من المناهي بالذكر دون غيره للاهتمام به ( فمن وفى ) بالتخفيف ، وفي رواية أبي ذر وفي بالتشديد ، أي ثبت على العهد ( منكم فأجره على الله ) فضلاً ووعدًا أي بالجنة ، كما وقع التصريح به في الصحيحين من حديث عبادة في رواية الصنابحي . وعبر بلفظ على وبالأجر للمبالغة في تحقق وقوعه ، ويتعين حمله على غير ظاهره للأدلة القاطعة على أنه لا يجب على الله شيء ، بل الأجر من فضله عليه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أثبت