أحمد بن محمد القسطلاني
9
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فإن أضافه إليه كقول جابر : كنّا نعزل على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فمن قبيل المرفوع وإن كان لفظه موقوفًا لأن غرض الراوي بيان الشرع . وقيل لا يكون مرفوعًا . وقول الصحابي من السنة كذا أو أمرنا بضم الهمزة ، أو كنا نؤمر أو نهينا أو أبيح ، فحكمه الرفع أيضًا ، كقول الصحابي : أنا أشبهكم صلاة به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كتفسير تعلق بسبب النزول ، وحديث المغيرة : " كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرعون بابه بالأظافير " صوّب ابن الصلاح رفعه ، وقال الحاكم موقوف ، وقول التابعي فمن دونه يرفعه أو رفعه أو مرفوعًا أو يبلغ به أو يرويه أو ينمّيه بفتح أوّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه ، أو يسنده أو يأثره مرفوع بلا خلاف ، والحامل له على ذلك الشك في الصيغة التي سمع بها ، أهي : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو النبيّ أو نحو ذلك ، كسمعت أو حدّثني ، وهو ممّن لا يرى الإبدال أو طلبًا للتخفيف وإيثارًا للاختصار أو للشك في ثبوته أو ورعًا ، حيث علم أن المرويّ بالمعنى فيه خلاف ، وفي بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرفعه ، وهو في حكم قوله عن الله تعالى ، ولو قال تابعيّ كنّا نفعل ، فليس بمرفوع ولا بموقوف إن لم يضفه لزمن الصحابة ، بل مقطوع . فإن أضافه لزمنهم احتمل الوقف ، لأن الظاهر اطّلاعهم عليه وتقريرهم واحتمل عدمه لأن تقرير الصحابيّ قد لا ينسب إليه بخلاف تقريره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وإذا أتى شيء عن صحابي موقوفًا عليه مما لا مجال للاجتهاد فيه كقول ابن مسعود : من أتى ساحرًا أو عرّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فحكمه الرفع تحسينًا للظن بالصحابة . قاله الحاكم . والموصول ويسمى المتصل ما اتصل سنده رفعًا ووقفًا لا ما اتصل للتابعي ، نعم يسوغ أن يقال متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري مثلاً . والمرسل ما رفعه تابعي مطلقًا أو تابعي بكبير إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وهو ضعيف لا يحتج به عند الشافعي والجمهور ، واحتج به أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنه ، فإن اعتضد بمجيئه من وجه آخر مسندًا أو مرسلاً آخر أخذ مرسله العلم عن غير رجال المرسل الأوّل ، احتج به . ومن ثم احتج الشافعي بمراسيل سعيد بن المسيب ، لأنها وجدت مسانيد من وجوه . أُخر . قال النووي : إنما اختلف أصحابنا المتقدمون في معنى قول الشافعي إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن على قولين ، أحدهما أنه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل لأنها وجدت مسندة ، ثانيهما أنها ليست بحجة عنده بل كغيرها ، وإنما رجح الشافعي بمرسله ، والترجيح بالمرسل جائز . قال الخطيب : والصواب الثاني . وأما الأول فليس بشيء لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد بحال من وجه يصح ، وأما مرسل الصحابيّ كابن عباس وغيره من صغار الصحابة عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما لم يسمعوه منه فهو حجة ، وإذا تعارض الوصل والإرسال بأن تختلف الثقات في حديث فيرويه بعضهم متصلاً وآخر مرسلاً ، كحديث " لا نكاح إلا بولي " رواه إسرائيل وجماعة عن أبي إسحق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحق عن أبي بردة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقيل الحكم للمسند إذا كان عدلاً ضابطًا ، قال الخطيب وهو الصحيح ، وسئل عنه البخاري فحكم لمن وصل ، وقال الزيادة من الثقة مقبولة ، هذا مع أن المرسل شعبة وسفيان ودرجتهما من الحفظ والإتقان معلومة ، وقيل الحكم للأكثر ، وقيل للأحفظ ، وإذا قلنا به وكان المرسل الأحفظ فلا يقدح في عدالة الواصل وأهليته على الصحيح ، وإذا تعارض الرفع والوقف بأن يرفع ثقة حديثًا وقفه ثقة غيره ، فالحكم للرافع لأنه مثبت وغيره ساكت ، ولو كان نافيًا ، فالمثبت مقدّم وتقبل زيادة الثقات مطلقًا على الصحيح ، سواء كانت من شخص واحد ، بأن رواه مرّة ناقصًا ومرّة أخرى وفيه تلك الزيادة ، أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصًا ، وقيل بل مردودة مطلقًا ، وقيل مردودة منه مقبولة من غيره ، وقال الأصوليون إن اتحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزيادة غالبًا ردّت ، وإن احتمل قبلت عند الجمهور ، وإن جهل تعدد المجلس ، فأولى بالقبول من صورة اتحاده ، وإن تعددت يقينًا قبلت اتفافًا .