أحمد بن محمد القسطلاني

80

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ودوموا واثبتوا على أيمانكم . ( فإن توليت ) أي أعرضت عن الإسلام ( فإن عليك ) مع إثمك ( إثم اليريسين ) بمثناتين تحتيتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بينهما راء مكسورة ثم سين مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة ثم نون ، جمع يريس على وزن كريم . وفي رواية الأريسين بقلب المثناة الأولى همزة وفي أخرى اليريسيين بتشديد الياء بعد السين جمع يريسيّ وهي التي في الفرع كأصله عن الأربعة ، والرابعة وهي للأصيلي كما في اليونينية الأريسيين بتشديد الياء بعد السين كذلك ، إلا أنه بالهمزة في أوّله موضع الياء ، والمعنى أنه إذا كان عليه إثم الاتباع بسبب اتباعهم له على استمرار الكفر ، فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى . فإن قلت : هذا معارض بقوله تعالى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } [ الأنعام : 164 ] أجيب بأن وزر الإثم لا يتحمله غيره ، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من جهتين ، جهة فعله وجهة تسببه . والأريسيون الأكارون أي الفلاحون والزراعون ، أي عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك . ونبّه بهم على جميع الرعايا لأنهم الأغلب في رعاياه ، وأسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا . وقال أبو عبيد المراد بالفلاحين أهل مملكته لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح ، سواء كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره ، وعند كراع هم الأجراء . وعند الليث العشارون يعني أهل المكس . وعند أبي عبيدة الخدم والخول يعني لصده إياهم عن الدين . كما قال تعالى : { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا } [ الأحزاب : 67 ] الآية . والأوّل أظهر . وقيل : كان أهل السواد أهل فلاحة وكانوًا مجوسًا ، وأهل الروم أهل صناعة ، فاعلموا بأنهم وإن كانوا أهل كتاب بأن عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثل إثم المجوس الذين لا كتاب لهم ، وفي قوله : فإن توليت استعارة تبعية لأن حقيقة التولي إنما هو بالوجه ، ثم استعمل مجازًا في الإعراض عن الشيء . ( ويا أهل الكتاب ) كذا في رواية عبدوس والنسفيّ والقابسي ، وهو الذي في اليونينية بالواو عطفًا على قوله أدعوك أي أدعوك بدعاية الإسلام وأدعوك بقوله تعالى أو أتلو عليك أو أقرأ عليك أهل الكتاب ، وعلى هذا التقدير فلا تكون زائدة في التلاوة لأن الواو إنما دخلت على محذوف ولا محذور فيه . قإن قلت : يلزم عليه حذف المعطوف وبقاء حرف العطف وهو ممتنع أجيب : بأنما ذاك إذا حذف المعطوف وجميع متعلقاته ، أما إذا بقي من اللفظ شيء هو معمول للمحذوف فلا نسلم امتناع ذلك كقوله تعالى : { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ } [ الحشر : 9 ] ، أي وأخلصوا الإيمان . وكقوله : وزججن الحواجب والعيونا أي وكحلن وعلفتها تبنًا وماءً باردًا أي وسقيتها إلى غير ذلك . فإن قلت : العطف مشكل لأنه يقتضي تقييد التلاوة بتوليه وليس كذلك ، أجيب : بأنه إنما هو معطوف على مجموع الجملة المشتملة على الشرط والجزاء لا على الجزاء فقط ، وقيل : إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يرد التلاوة بل أراد مخاطبتهم بذلك ، وحينئذ فلا إشكال ، وعورض بأن العلماء استدلوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدو ، ولولا أن المراد الآية لما صح الاستدلال ، وهم أقوم وأعرف . وبأنه لو لم يرد الآية لقال عليه الصلاة والسلام فإن توليتم ، وفي الحديث : فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ، لكن يمكن الانفصال عن هذا الأخير بأنه من باب الالتفات . وفي رواية الأصيلي وأبي ذر كما قاله عياض يا أهل الكتاب بإسقاط الواو ، فيكون بيانًا لقوله بدعاية الإسلام . وقوله : يا أهل الكتاب يعمّ أهل الكتابين . ( تعالوا ) بفتح اللام ( إلى كلمة سواء ) أي مستوية ( بيننا وبينكم ) لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل ، وتفسير الكلمة ( أن لا نعبد إلاّ الله ) أي نوحده بالعبادة ونخلص له فيها ( ولا نشرك به شيئًا ) ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد ( ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله ) . فلا نقول عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل ، لأن كلاً منهم بعضنا بشر مثلنا . روي أنه لما نزلت { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [ التوبة : 31 ] قال عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول الله . قال : أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون