أحمد بن محمد القسطلاني
81
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فتأخذون بقولهم ؟ قال : نعم . قال : ( فإن تولوا ) عن التوحيد ( فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) . أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل ، وقد قيل : إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كتب ذلك قبل نزول الآية ، فوافق لفظه لفظها لما نزلت لأنها نزلت في وفد نجران سنة الوفود سنة تسع ، وقصة أبي سفيان قبل ذلك سنة ست ، وقيل : بل نزلت في اليهود ، وجوّز بعضهم نزولها مرتين . وقيل ، فيما حكاه السهيلي : إن هرقل وضع هذا الكتاب في قصبة من ذهب تعظيمًا له وإنهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابر في أعز مكانٍ . وحكي أن ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين قلج صندوقًا مصفحًا بالذهب ، واستخرج منه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه فقال : هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن ، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا فنحن نحفظه . ( قال أبو سفيان فلما قال ) هرقل ( ما قال ) أي الذي قاله في السؤال والجواب ، ( وفرغ من قراءة الكتاب ) النبوي ( كثر عنده الصخب ) بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين أي اللغط كما في مسلم ، وهو اختلاط الأصوات في المخاصمة ، ( وارتفعت الأصوات ) بذلك ( وأخرجنا ) بضم الهمزة وكسر الراء ( فقلت لأصحابي حين أخرجنا ) وعند المؤلف في الجهاد حين خلوت بهم ، والله ( لقد أمر ) بفتح أوله مقصورًا وكسر ثانيه أي كبر وعظم ( أمر ابن أبي كبشة ) بسكون الميم أي شأنه ، وكبشة بفتح الكاف وسكون الموحدة . قال ابن جني : اسم مرتجل ليس بمؤنث الكبش ، لأن مؤنث الكبش من غير لفظه يريد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنها كنية أبيه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى فيما قاله ابن ماكولا وغيره ، وعند ابن بكير أنه أسلم وكانت له بنت تسمى كبشة ، فكنّي بها أو هو والد حليمة مرضعته أو ذلك نسبة إلى جد جده وهب لأن أمه آمنة بنت وهب وأم جد وهب قيلة بنت أبي كبشة ، أو لجد جده عبد المطلب لأمه ، أو هو رجل من خزاعة اسمه وجز بواو مفتوحة فجيم ساكنة فزاي ، ابن غالب خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة . ( إنه يخافه ) . بكسر الهمزة على الاستئناف . وجوّز العيني فتحها قال : وإن كان على ضعف على أنه مفعول من أجله ، والمعنى عظم عليه الصلاة والسلام لأجل أنه يخافه ( ملك بني الأصفر ) وهم الروم لأن جدهم روم بن عيص بن إسحاق تزوّج بنت ملك الحبشة فجاء ولده بين البياض والسواد ، فقيل له الأصفر ، أو لأن جدته سارة حفّته بالذهب . وقيل غير ذلك . قال أبو سفيان ( فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام ) فأبرزت ذلك اليقين ، ( وكان ابن الناطور ) بالمهملة أي حافظ البستان وهو لفظ عجمي تكلمت به العرب ، وفي رواية الحموي الناظور بالمعجمة . وفي رواية الليث عن يونس بن ناطورا بزيادة ألف في آخره والواو عاطفة ، فالقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزهري خلاقًا لمن توهم أنها معلقة أو مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان ، والتقدير عن الزهري أخبرني عبيد الله وذكر الحديث ، ثم قال الزهري : وكان ابن الناطور يحدث فذكر هذه القصة . وقوله ( صاحب إيلياء ) بكسر الهمزة واللام بينهما مثناة تحتية مع المد على الأشهر وهي بيت المقدس أي أميرها ، وصاحب منصوب في رواية أبي ذر على الاختصاص أو الحال لا خبر كان لأن خبرها إما أسقفًا أو يحدث ، وجوّزه البدر الدماميني بأنه لا مانع من تعدد الخبر . وفي رواية غير أبي ذر صاحب بالرفع صفة لابن الناطور ، ورده الزركشي بأنه معرفة . وصاحب لا يتعرف بالإضافة لأنها في تقدير الانفصال . وجوّزه الكرماني لأن الإضافة معنوية . قال البرماوي وهو الظاهر . وقال البدر الدماميني : وهو أي قول الزركشي وهم ، فقد قال سيبويه : تقول مررت بعبد الله ضاربك ، كما تقول مررت بعبد الله صاحبك أي المعروف بضربك . قال الرضي : فإذا قصدت هذا المعنى لم يعمل اسم الفاعل في محل المجرور به نصبًا كما في صاحبك ، وإن