أحمد بن محمد القسطلاني

75

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

صاحب نسب عظيم ، فالتنوين للتعظيم كقوله تعالى : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [ البقرة : 179 ] أي عظيمة ، ( قال ) هرقل ( فهل قال هذا القول منكم ) من قريش ( أحد قط ) بتشديد الطاء المضمومة مع فتح القاف ، وقد يضمان وقد تخفف الطاء وتفتح القاف ولا يستعمل إلا في الماضي المنفي ، واستعمل هنا بغير أداة النفي وهو نادر ، وأجيب بأن الاستفهام حكمه حكم النفي كأنه قال : هل قال هذا القول أحد أو لم يقله أحد قط ( قبله ) بالنصب على الظرفية ، وللأصيلي والكشميهني وكريمة وابن عساكر مثله بدل قوله قبله ، وحينئذ يكون بدلاً من قوله هذا القول ، قال أبو سفيان ( قلت لا ) أي لم يقله أحد قبله . ( قال ) هرقل ( فهل كان من آبائه من ) بكسر الميم حرف جر ( ملك ) بفتح الميم وكسر اللام صفة مشبهة ، وهذه رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر ، ورواه ابن عساكر في نسخة وأبو ذر عن الكشميهني من بفتح الميم اسم موصول وملك فعل ماضٍ ، ولأبي ذر كما في الفتح فهل كان من آبائه ملك بإسقاط من ، والأوّل أشهر وأرجح . قال أبو سفيان ( قلت : لا . قال ) هرقل ( فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم ) وعند المؤلف في التفسير أيتبعه أشراف الناس بإثبات همزة الاستفهام ، وللأربعة فأشراف الناس اتبعوه . قال أبو سفيان ( قلت ) ولغير الأربعة فقلت ( بل ضعفاؤهم ) أي اتبعوه ، والشرف علو الحسب والمجد والمكان العالي ، وقد شرف بالضم فهو شريف وقوم شرفاء وأشراف وفي الفتح تخصيص الشرف هنا بأهل النخوة والتكبّر لا كل شريف ليخرج مثل العمرين ممن أسلم قبل سؤال هرقل ، وتعقبه العيني بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة . فقول أبي سفيان جرى على الغالب . ووقع في رواية ابن إسحاق تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث ، وأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد . قال الحافظ ابن حجر ، وهو محمول على الأكثر الأغلب . ( قال ) هرقل ( أيزيدون أم ينقصون ) بهمزة الاستفهام ، وفي رواية سورة آل عمران بإسقاطها ، وجزم ابن مالك بجوازه مطلقًا خلافًا لمن خصّه بالشعر . قال أبو سفيان ( قلت بل يزيدون . قال ) هرقل : ( فهل يرتد أحد منهم سخطة ) بفتح السين المهملة في اليونينية ليس إلا وبالنصب مفعول لأجله أو حال أي ساخطًا أي كراهة وعدم رضا ، وجوّز في الفتح ضم السين . وعبارته سخطة بضم أوّله وفتحه ، وتعقبه العيني فقال : السخطة بالتاء إنما هي بالفتح فقط ، والسخط بلا تاء يجوز فيه الضم والفتح مع أن الفتح يأتي بفتح الخاء ، والسخط بالضم يجوز فيه الوجهان ضم الخاء معه وإسكانها اه - . قلت : في رواية الحموي والمستملي سخطة بضم السين وسكون الخاء ، أي فهل يرتد أحد منهم كراهة ( لدينه بعد أن يدخل فيه ) أخرج به من ارتد مكرهًا أولاً سخطًا لدين الإسلام بك لرغبة في غيره كحظ نفساني كما وقع لعبيد الله بن جحش . قال أبو سفيان ( قلت : لا ) . فإن قلت : لمِ لم يستغن هرقل بقوله بل يزيدون عن قوله هل يرتد أحد منهم الخ ، أجيب : بأنه لا ملازمة بين الازدياد والنقص فقد يرتد بعضهم ولا يظهر فيهم النقص باعتبار كثرة من يدخل وقلة من يرتد مثلاً ، وإنما سأل عن الارتداد لأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل . ( قال ) هرقل : ( فهل كنتم تتهمونه بالكذب ) على الناس ( قبل أن يقول ما قال ) قال أبو سفيان : ( قلت : لا ) وإنما عدل عن السؤال عن نفس الكذب إلى السؤال عن التهمة تقريرًا لهم على صدقه لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها . ( قال ) هرقل ( فهل يغدر ) بدال مهملة مكسورة أي ينقض العهد ؟ قال أبو سفيان : ( قلت لا ، ونحن منه ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( في مدة ) أي مدة صلح الحديبية أو غيبته وانقطاع أخباره عنّا . ( لاّ ندري ما هو فاعل فيها ) أي في المدة ، وفي قوله : لا ندري إشارة إلى عدم الجزم بغدره ( قال ) أبو سفيان ( ولم تمكني ) بالمثناة الفوقية أو التحتية ( كلمة أدخل فيها شيئًا ) انتقصه به ( غير هذه الكلمة ) . قال في الفتح : التنقيص هنا أمر نسبي لأن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع