أحمد بن محمد القسطلاني

76

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ذلك منه في الجملة ، وقد كان عليه الصلاة والسلام معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر ، ولكن لما كان الأمر مغيبًا لأنه مستقبل أمن أبو سفيان أن ينسب في ذلك إلى الكذب ، ولذا أورده على التردد ومن ثم لم يعرج هرقل على هذا القدر منه اه - . وغير بالرفع صفة لكلمة ، ويجوز فيها النصب صفة لشيئًا وليس في الفرع غير الأوّل ، وصحح عليه . فإن قلت : كيف يكون غير صفة لهما وهما نكرتان وغير مضاف إلى المعرفة ؛ أجيب : بأنه لا يتعرف بالإضافة إلا إذا اشتهر المضاف بمغايرة المضاف إليه ، وههنا ليس كذلك . وعورض بأن هذا مذهب ابن السراج والجمهور على خلافه فنحو غير المغضوب عليهم يعرب بدلاً من الذين أو صفة له تنزيلاً للموصول منزلة النكرة فجاز وصفها بالنكرة . ( قال ) هرقل ( فهل قاتلتموه ) نسب ابتداء القتال إليهم ولم ينسبه إليه عليه الصلاة والسلام لما اطّلع عليه من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يبدأ قومه بالقتال حتى يقاتلوه ، قال أبو سفيان ( قلت نعم ) قاتلناه . ( قال ) هرقل ( فكيف كان قتالكم إياه ) بفصل ثاني الضميرين والاختيار أن لا يجيء المنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل ، وقيل قتالكم إياه أفصح من قتالكموه باتصال الضمير ، فلذلك فصله وصوّبه العيني تبعًا لنص الزمخشري . قال أبو سفيان ( قلت ) وللأصيلي قال ( الحرب بيننا وبينه سجال ) بكسر السين المهملة وبالجيم المخففة أي نوب نوبة لنا ونوبة له كما قال ( ينال منا وننال منه ) أي يصيب منا ونصيب منه . قال البلقيني : هذه الكلمة فيها دسيسة أيضًا لأنهم لم ينالوا منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قطّ ، وغاية ما في غزوة أُحُد أن بعض المقاتلين قتل وكانت العزة والنصرة للمؤمنين اه - . وتعقب بأنه قد وقعت المقاتلة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم قبل هذه القصة في ثلاثة مواطن : بدر وأُحُد والخندق ، فأصاب المسلمون من المثركين في بدر وعكسه في أُحُد وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق ، فصح قول أبي سفيان يصيب منا ونصيب منه ، وحينئذ فلا دسيسة هنا في كلام أبي سفيان كما لا يخفى ، والجملة تفسيرية لا محل لها من الإعراب . قال في المصابيح : فإن قلت : فما يصنع الشلوبين القائل بأنها في حكم مفسرها إن كان ذا محل فهي كذلك وإلاّ فلا ، وهي ههنا مفسرة للخبر فيلزم أن تكون ذات محل لكنها خالية عن رابط يربطها بالمبتدأ قلت : تقدره أي ينال منا فيها وننال فيها منه اه - . والسجال مرفوع خبر للحرب واستشكل جعله خبرًا لكونه جمعًا والمبتدأ مفرد فلم تحصل المطابقة بينهما ، وأجيب كما في الفتح بأن الحرب اسم جنس والسجال اسم جمع ، وتعقبه العيني بأن السجال ليس اسم جمع بل هو جمع وبينهما فرق ، وجوّز أن يكون سجال بمعنى المساجلة فلا يرد السؤال أصلاً . وفي قوله الحرب بيننا وبينه سجال تشبيه بليغ شبه الحرب بالسجال مع حذف أداة التشبيه لقصد المبالغة كقولك : زيد أسد إذا أردت به المبالغة في بيان شجاعته فصار كأنه عين الأسد . وذكر السجال وأراد به النوب يعني الحرب بيننا وبينه نوب نوبة لنا ونوبة له كالمستقيين إذا كان بينهما دلو يستقي أحدهما دلوًا والآخر دلوًا . ( قال ) هرقل ( ما ) بإسقاط الباء الموحدة في اليونينية وهي مكشوطة من الفرع ، وفي بعض الأصول بما ، وفي نسخة فما ( ذا يأمركم ) ، أي ما الذي يأمركم به ؟ قال أبو سفيان : ( قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا ) بالواو ، وفي رواية المستملي اعبدوا الله لا تشركوا بحذف الواو ، وحينئذ فيكون تأكيدًا لقوله وحده ، وهذه الجملة عطف على اعبدوا الله وهي من عطف المنفي على المثبت وعطف الخاص على العام ؛ على حدّ { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ } [ القدر : 4 ] ، فإن عبادته تعالى أعمّ من عدم الإشراك به ( واتركوا ما يقول آباؤكم ) من عبادة الأصنام وغيرهما مما كانوا عليه في الجاهلية . ( ويأمرنا بالصلاة ) المعهودة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم ، وفي نسخة مما في اليونينية بزيادة والزكاة ( والصدق ) وهو القول المطابق للواقع . وفي رواية للمؤلف بالصدقة بدل الصدق ، ورجحها الإمام البلقيني ، قال الحافظ ابن حجر : ويقوّيها رواية المؤلف في التفسير والزكاة وقد ثبت عنده من رواية أبي ذر عن شيخه الكشميهني والسرخسي اللفظان الصدقة