أحمد بن محمد القسطلاني

74

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

لغة بلغة ، يعني أرسل إليه رسولاً أحضره بصحبته أو كان حاضرًا واقفًا في المجلس كلما جرت به عادة ملوك الأعاجم ، ثم أمره بالجلوس إلى جنب أبي سفيان ليعبر عنه بما أراد ، ولم يسم الترجمان . ثم قال هرقل للترجمان قل لهم أيكم أقرب ( فقال ) الترجمان ( أيكم أقرب نسبًا لهذا الرجل ) ضمن أقرب معنى اقعد فعدّاه بالباء ، وعند مسلم المؤلف في آل عمران من هذا الرجل وهو على الأصل ، وفي الجهاد إلى هذا الرجل ولا إشكال فيها ، فإن أقرب يتعدى بإلى . قال الله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } [ ق : 16 ] والمفضل عليه محذوف أي من غيره ، وزاد ابن السكن الذي خرج بأرض العرب ( الذي يزعم ) ، وعند ابن إسحاق عن الزهري يدّعي ( أنه نبيّ فقال ) بالفاء ، ولأبي الوقت وابن عساكر والأصيلي قال ( أبو سفيان : قلت ) وفي رواية كما في اليونينية بغير رقم فقلت بزيادة الفاء ( أنا أقربهم نسبًا ) . وللأصيلي كما في الفرع كأصله أنا أقربهم به نسبًا أي من حيث النسب ، وأقربية أبي سفيان لكونه من بني عبد مناف وهو الأب الرابع للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولأبي سفيان ، وخصّ هرقل الأقرب لكونه أحرى بالاطّلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره ، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب ، لكن قد يقال : إن القريب متهم في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا ، ولو كان عدوًّا له لدخوله في شرف النسب الجامع لهما ، ( فقال ) أي هرقل ، وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الحموي قال : ( أدنوه مني ) بهمزة قطع مفتوحة كما في الفرع ، وإنما أمر بإدناء أبي سفيان ليمعن في السؤال ويشفي غليله . ( وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ) لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب كما صرح به الواقدي في روايته . ( ثم قال ) هرقل ( لترجمانه : قل لهم ) أي لأصحاب أبي سفيان ( إني سائل هذا ) أي أبا سفيان ( عن هذا الرجل ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأشار إليه إشارة القريب لقرب العهد بذكره أو لأنه معهود في أذهانهم ( فإن كذبني ) بالتخفيف أي إن نقل إليّ الكذب ( فكذبوه ) بتشديد الذال المعجمة المكسورة ، قال التيمي كذب بالتخفيف يتعدّى إلى مفعولين مثل صدق تقول كذبني الحديث وصدقني الحديث ، وكذب بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد وهما من غرائب الألفاظ لمخالفتهما الغالب ، لأن الزيادة تناسب الزيادة وبالعكس والأمر هنا بالعكس اه - . ( قال ) أي أبو سفيان وسقط لفظ قال لكريمة وأبي الوقت كذا هي ساقطة من اليونينية مطلقًا ، ( فوالله لولا الحياء ) وفي نسخة كريمة لولا أن الحياء : ( من أن يأثروا عليّ ) بضم المثلثة وكسرها ، وعلي بمعنى عني أي رفقتي يروون عني ( كذبًا ) بالتنكير ، وفي غير الفرع وأصله الكذب فأعاب به لأنه قبيح ولو على عدوّ ( لكذبت عنه ) . لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه . وللأصيلي وأبوي الوقت وذر عن الحموي لكذبت عليه . ( ثم كان أوّل ما سألني عنه ) بنصب أوّل في فرع اليونينية كهي ، قال في الفتح : وبه جاءت الرواية وهو خبر كان واسمها ضمير الشأن وقوله الآتي إن قال ، بدل من قوله ما سألني عنه . ويجوز أن يكون إن قال اسم ان ، وقوله أوّل ما سألني خبره وتقديره ، ثم كان قوله كيف نسبه فيكم أوّل ما سألني عنه ، ويجوز رفعه اسمًا لكان ، وذكر العيني وروده رواية ولم يصرح به في الفتح ، إنما قال : ويجوز رفعه على الاسمية وخبره قوله ( أن قال كيف نسبه ) عليه الصلاة والسلام ( قيكم ) أي ما حال نسبه أهو من أشرافكم أم لا ؟ لكن قال العلاّمة البدر الدماميني : إن جواز النصب والرفع لا يصح على إطلاقه ، وإنما الصواب التفصيل ، فإن جعلنا ما نكرة بمعنى شيء تعين نصبه على الخبرية ، وذلك لأن إن قال وأوّل ما سألني هو الخبر ضرورة أنه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا فالمعرف الاسم والمنكر الخبر ، ولا بعكس إلاّ في الضرورة . وإن جعلناها موصولة جاز الأمران ، لكن المختار جعل أن قال هو الاسم لكونه أعرف اه - . قال أبو سفيان : ( قلت هو فينا ذو نسب ) أي