أحمد بن محمد القسطلاني

66

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

والمعجمة وبالنصب خبر كان مقدرة عند الكوفيين ، أو على الحال من الضمير المستكن في خبر ليت ، وخبر ليت قوله فيها أي ليتني كائن فيها حال الشبيبة والقوة لأنصرك ، أو على أن ليت تنصب الجزأين ، أو بفعل محذوف أي جعلت فيها جزعًا . وللأصيلي وأبي ذر عن الحموي جذع بالرفع خبر ليت ، وحينئذ فالجار يتعلق بما فيه من معنى الفعل كأنه قال : يا ليتني شاب فيها ، والرواية الأولى أكثر وأشهر ، والجذع هو الصغير من البهائم ، واستعير للإنسان ، أي يا ليتني كنت شابًّا عند ظهور نبوّتك حتى أقوى على المبالغة في نصرتك . ( ليتني ) وللأصيلى يا ليتني ( أكون حيًّا إذ يخرجك قومك ) من مكة ، واستعمل إذ في المستقبل كإذا على حد : { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ } [ مريم : 39 ] . قال ابن ملك : وهو صحيح ، وتعقبه البلقيني بأن النحاة منعوا وروده وأوّلوا ما ظاهره ذلك ، فقالوا في مثل هذا استعمل الصيغة الدالّة على المضي لتحقق وقوعه ، فأنزلوه منزلته . ويقوي ذلك هنا أن في رواية البخاري في التعبير حين يخرجك قومك وهو على سبيل المجاز كالأوّل ، وعورض بأن المؤولين ليسوا النحويين بل البيانيون ، وبأنه كيف يمنع وروده مع وجوده في أفصح الكلام ؟ وأجيب بأنه لعله أراد بمنع الورود ورودًا محمولاً على حقيقة الحال لا على تأويل الاستقبال . فإن قلت : كيف تمنى ورقة مستحيلاً وهو عود الشباب ؟ أجيب : بأنه يسوغ تمني المستحيل إذا كان في فعل خير ، أو بأن التمني ليس مقصودًا على بابه ، بل المراد به التنبيه على صحة ما أخبره به ، والتنويه بقوّة تصديقه فيما يجيء به ، أو قاله على سبيل التحسّر لتحقّقه عدم عود الشباب . ( فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أو ) بفتح الواو ( مخرجيَّ هم ) بتشديد الياء مفتوحة ، لأن أصله مخرجوني جمع مخرج من الإخراج فحذفت نون الجمع للإضافة إلى ياء المتكلم ، فاجتمعت ياء المتكلم وواو علامة الرفع وسبقت إحداهما بالسكون فأبدلت الواو ياء وأدغمت ، ثم أبدلت الضمة التي كانت سابقة الواو كسرة وفتحت ياء مخرجيّ تخفيفًا ، وهم مبتدأ خبره مخرجيّ مقدمًا ، ولا يجوز العكس لأنه يلزم منه الإخبار بالمعرفة عن النكرة ، لأن إضافة مخرجيّ غير محضة لأنها لفظية لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال ، والهمزة للاستفهام الإنكاري لأنه استبعد إخراجه عن الوطن لا سيما حرم الله وبلد أبيه إسماعيل من غير سبب يقتضي ذلك ، فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان جامعًا لأنواع المحاسن المقتضية لإكرامه وإنزاله منهم محل الروح من الجسد . فإن قلت : الأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف نحو : { فَأَنَّى تُؤْفَكُون } [ الأنعام : 95 ] و { فَأَيْنَ تَذْهَبُون } [ التكوير : 26 ] وحينئذ ينبغي أن يقول هنا وأمخرجيّ ، لأن العاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف ؟ أجيب : بأن الهمزة خصّت بتقديمها على العاطف تنبيهًا على أصالتها في أدوات الاستفهام وهو له الصدر نحو : أو لم ينظروا ، أفلم يسيروا ، هذا مذهب سيبويه والجمهور . وقال جار الله وجماعة : إن الهمزة في محلها الأصلي وإن العطف على جملة مقدّرة بينها وبين العاطف والتقدير أمعاديّ هم ومخرجيّ هم ؟ وإذا دعت الحاجة لمثل هذا التقدير فلا يستنكر . فإن قلت : كيف عطف قوله أو مخرجيّ هم وهو إنشاء على قول ورقة : إذ يخرجك قومك وهو خبر ، وعطف الإنشاء على الخبر لا يجوز ، وأيضًا فهو عطف جملة على جملة والمتكلم مختلف ؟ أجيب بأن القول بأن عطف الإنشاء على الخبر لا يجوز إنما هو رأي أهل البيان ، والأصح عند أهل العربية جوازه ، وأما أهل البيان فيقدرون في مثل ذلك جملة بين الهمزة والواو وهي المعطوف عليها ، فالتركيب سائغ عند الفريقين ، أما المجوزون لعطف الإنشاء على الخبر فواضح ، وأما المانعون فعلى التقدير المذكور . وقال بعضهم : يصح أن تكون جملة الاستفهام معطوفة على جملة التمني في قوله ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك ، بل هذا هو الظاهر ، فيكون المعطوف عليه أول الجملة لا آخرها ، الذي هو ظرف متعلق بها ، والتمني إنشاء فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء . وأما العطف على جملة في كلام الغير فسائغ معروف في القرآن العظيم والكلام الفصيح . قال تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } [ البقرة : 124 ] . ( قال )