أحمد بن محمد القسطلاني

67

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ورقة ( نعم لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به ) من الوحي ( إلا عُودي ) لأن الإخراج عن المألوف موجب لذلك ، ( وإن يدركني ) بالجزم بأن الشرطية ( يومك ) بالرفع فاعل يدركني ، أي يوم انتشار نبوّتك ، ( أنصرك ) بالجزم جواب الشرط ( نصرًا ) بالنصب على المصدرية ( مؤزرًا ) بضم الميم وفتح الزاي المشددة آخره راء مهملة مهموزًا ، أي قويًّا بليغًا وهو صفة لنصرًا ، ولما كان ورقة سابقًا واليوم متأخرًا أسند الإدراك لليوم ، لأن المتأخر هو الذي يدرك السابق ، وهذا ظاهره أنه أقرّ بنبوّته ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام ، فيكون مثل بحيرا . وفي إثبات الصحبة له نظر ، لكن في زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق ، فقال له ورقة : أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل ، الحديث . وفي آخره فلما توفي قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدّقني . وأخرجه البيهقي من هذا الوجه في الدلائل ، وقال : إنه منقطع ، ومال البلقيني إلى أنه يكون بذلك أوّل من أسلم من الرجال ، وبه قال العراقي في نكته على ابن الصلاح وذكره ابن منده في الصحابة . ( ثم لم ينشب ) بفتح المثناة التحتية والمعجمة أي لم يلبث ( ورقة ) بالرفع فاعل ينشب ( أن توفي ) بفتح الهمزة وتخفيف النون ، وهو بدل اشتمال من ورقة أي لم تتأخر وفاته عن هذه القصة ، واختلف في وقت موت ورقة فقال الواقدي : إنه خرج إلى الشام فلما بلغه أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بالقتال بعد الهجرة أقبل يريده حتى إذا كان ببلاد لخم وجذام قتلوه وأخذوا ما معه وهذا غلط بين ، فإنه مات بمكة بعد المبعث بقليل جدًّا ودفن بمكة كما نقله البلاذري وغيره ، ويعضد قوله هنا وكذا في مسلم ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي . ( وفتر الوحي ) أي احتبس ثلاث سنين كما في تاريخ أحمد ، وجزم به ابن إسحاق ، وفي بعض الأحاديث أنه قدر سنتين ونصف ، وزاد معمر عن الزهري في التعبير حتى حزن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال ، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك من جهة الإسناد والمتن والمعنى في سورة اقرأ من التفسير . فإن قلت : إن قوله ثم لم ينشب ورقة أن توفي معارض بما عند ابن إسحاق في السبرة أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم ، فإنه يقتضي تأخره إلى زمن الدعوة ودخول بعض الناس في الإسلام . أجيب : بأنّا لا نسلم المعارضة لأن شرطها المساواة . وما روي في السيرة لا يقاوم ما في الصحيح ، ولئن سلمنا فلعل راوي ما في الصحيح لم يحفظ لورقة بعد ذلك شيئًا . ومن ثم جعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى ما علمه منه لا بالنسبة إلى ما في نفس الأمر ، وحينئذ فتكون الواو في قوله : وفتر الوحي ليست للترتيب . ورواة هذا الحديث ما بين مصريّ ومدنيّ ، وفيه تابعيّ عن تابعي ، وأخرجه المؤلف في التفسير والتعبير والإيمان ، ومسلم في الإيمان ، والترمذي والنسائي في التفسير . 4 - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ - فِي حَدِيثِهِ « بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ - إِلَى قَوْلِهِ - وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ » . تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ . وَتَابَعَهُ هِلاَلُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ « بَوَادِرُهُ » . [ الحديث 4 - أطرافه في : 3238 ، 4922 ، 4923 ، 4924 ، 4925 ، 4926 ، 4954 ، 6214 ] . ( قال ابن شهاب ) الزهري أخبرني عروة بكذا ، ( وأخبرني ) بالإفراد ( أبو سلمة ) بفتحتين واسمه عبد الله ( بن عبد الرحمن ) بن عوف المتوفى بالمدينة سنة أربع وتسعين ، وأتى المؤلف بواو العطف لغرض بيان الإخبار عن عروة وأبي سلمة ، وإلاّ فمقول القول لا يكون بالواو ، وحينئذ فليس هذا من التعاليق ، ولو كانت صورته صورته خلافًا للكرماني حيث أثبته منها وقد خطأه في الفتح ( أن جابر بن عبد الله ) بن عمرو ( الأنصاري ) الخزرجيّ المتوفى بعد أن عَمِيَ سنة ثمان أو أربع أو ثلاث أو تسع وسبعين وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة ، وله في البخاريّ تسعون حديثًا ، وهمزة أن مفتوحة لأنها في محل نصب على الفعولية . ( قال وهو يحدّث عن فترة الوحي ) أي في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول ( فقال ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( في حديثه ) . ( بينا ) أصله بين فأشبعت فتحة النون فصارت ألفًا وهي ظرف زمان مكفوف بالألف عن الإضافة إلى المفرد ، والتقدير بحسب