أحمد بن محمد القسطلاني
52
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
سمعت كلامه حال كونه ( على المنبر ) النبوي المدني ، فأل فيه للعهد وهو بكسر الميم من النبرة ، وهي الارتفاع أي سمعته حال كونه ( قال ) ولأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر يقول ( سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي سمعت كلامه حال كونه ( يقول ) فيقول في موضع نصب حالاً من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لأن سمعت لا يتعدى إلى مفعولين ، فهي حال مبنية للمحذوف المقدّر بكلام ، لأن الذات لا تسمع . وقال الأخفش : إذا علقت سمعت بغير مسموع كسمعت زيدًا يقول فهي متعدية لمفعولين الثاني منهما جملة ، يقول واختاره الفارسي وعورض بأن سمعت لو كان يتعدى إلى مفعولين لكان إما من باب أعطيت أو ظننت ، ولا جائز أن يكون من باب أعطيت لأن ثاني مفعوليه لا يكون جملة ولا مخبرًا به عن الأوّل ، وسمعت بخلاف ذلك . ولا جائز أن يكون من باب ظننت لصحة قولك سمعت كلام زيد فتعديه إلى واحد ولا ثالث للبابين ، وقد بطلا فتعين القول الأوّل . وأجيب بأن أفعال التصيير ليست من البابين وقد ألحقت بهما . وأيضًا من أثبت ما ليس من البابين مثبت لما لا مانع منه ، فقد ألحق بعضهم بما ينصب مفعولين ضرب مع المثل نحو : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا } [ النحل : 75 ] ، وألحق بعضهم رأي الحلمية نحو قوله تعالى : { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف : 36 ] وأتى بيقول المضارع في رواية من ذكرها بعد سمع الماضي . إما حكاية لحال وقت السماع أو لإحضار ذلك في ذهن السامعين تحقيقًا وتأكيدًا له ، وإلا فالأصل أن يقال : قال كما في الرواية الأخرى ليطابق سمعت . ( إنما الأعمال ) البدنية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها الصادرة من المكلفين المؤمنين صحيحة أو مجزئة ( بالنيات ) قيل : وقدّره الحنفية إنما الأعمال كاملة والأوّل أولى لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال ، فالحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب خطورًا بالبال عند إطلاق اللفظ ، وهذا يوهم أنهم لا يشترطون النية في العبادات ، وليس كذلك فإن الخلاف ليس إلا في الوسائل ، أما المقاصد ، فلا اختلاف في اشتراط النية فيها . ومن ثم لم يشترطوها في الوضوء لأنه مقصود لغيره لا لذاته ، فكيفما حصل حصل المقصود وصار كستر العورة وباقي شروط الصلاة التي لا تفتقر إلى نية ، وإنما احتيج في الحديث إلى التقدير لأنه لا بدّ للجار من متعلق محذوف هنا هو الخبر في الحقيقة على الأصح ، فينبغي أن يجعل المقدر أوّلاً في ضمن الخبر فيستغنى عن إضمار شيء في الأوّل لئلا يصير في الكلام حذفان ، حذف المبتدأ أوّلاً وحذف الخبر ثانيًا ، وتقديره : إنما صحة الأعمال كائنة بالنيات ، لكن قال البرماوي يعارضه أن الخبر يصير كونًا خاصًّا ، وإذا قدّرنا إنما صحة الأعمال كائنة كان كونًا مطلقًا وحذف الكون المطلق أكثر من الكون الخاص ، بل يمتنع إذا لم يدل عليه دليل وحذف المضاف كثير أيضًا ، فارتكاب حذفين بكثرة وقياس أولى من حذف واحد بقلة وشذوذ وهو الوجه المرضيّ ، ويشهد لذلك ما قرّره في حذف خبر المبتدأ بعد لولا في الكون العامّ والخاص . ومنهم من جعل المقدّر القبول أي إنما قبول الأعمال ، لكن تردّد في أن القبول ينفك عن الصحة أم لا ، فعلى الأوّل هو كتقدير الكمال وعلى الثاني كتقدير الصحة ، ومنهم من قال : لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة أو الكمال أو نحوهما ، إذ الإضمار خلاف الأصل ، وإنما المراد حقيقة العمل الشرعي فلا يحتاج حيئذ إلى إضمار . والنيات بتشديد الياء جمع نية من نوى ينوي من باب ضرب يضرب وهي لغة القصد ، وقيل : هي من النوى بمعنى البعد ، فكأنَّ الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه بما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه ، فجعلت النية وسيلة إلى بلوغه . وشرعًا قصد الشيء مقترنًا بفعله ، فإن تراخى عنه كان عزمًا ، أو يقال : قصد الفعل ابتغاء وجه الله وامتثالاً لأمره ، وهي هنا محمولة على معناها اللغوي ليطابق ما بعده من التقسيم ، والتقييد بالمكلفين المؤمنين يخرج أعمال الكفار ، لأن المراد بالأعمال أعمال العبادة وهي لا تصح من الكافر وإن كان مخاطبًا بها معاقبًا على تركها ، وجمعت النية في هذه الرواية باعتبار تنوّعها لأن