أحمد بن محمد القسطلاني
53
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
المصدر لا يجمع إلا باعتبار تنوّعه أو باعتبار مقاصد الناوي ، كقصده تعالى ، أو تحصيل موعوده أو اتقاء وعيده . وليس المراد نفي ذات العمل لأنه حاصل بغير نية ، وإنما المراد نفي صحته أو كماله على اختلاف التقديرين . وفي معظم الروايات النية بالإفراد على الأصل لاتحاد محلها وهو القلب ، كما أن مرجعها واحد وهو الإخلاص للواحد الذي لا شريك له ، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر وهي متعددة فناسب جمعها . وفي صحيح ابن حبان الأعمال بالنيات بحذف إنما ، وجمع الأعمال والنيات . وفي كتاب الإيمان من البخاري من رواية مالك عن يحيى الأعمال بالنية ، وفيه أيضًا في النكاح العمل بالنية بالإفراد فيهما . والتركيب في كلها يفيد الحصر باتفاق المحققين ، لأن الأعمال جمع محلى بالألف واللام مفيد للاستغراق وهو مستلزم للحصر لأنه من حصر المبتدأ في الخبر ، ويعبر عنه البيانيون بقصر الموصوف على الصفة ، وربما قيل قصر المسند إليه على المسند ، والمعنى كل عمل بنية فلا عمل إلا بنية . واختلف في إنما هل تفيد الحصر أم لا ، فقال الشيخ أبو إسحق الشيرازي والغزاليّ والكيا الهراسي والإمام فخر الدين : تفيد الحصر المشتمل على نفي الحكم عن غير المذكور ، نحو : إنما قائم زيد أي لا عمرو ، أو نفي غير الحكم عن المذكور نحو : إنما زيد قائم أي لا قاعد . وهل تفيده بالمنطوق أو بالمفهوم ، قال البرماوي في شرح ألفيته : الصحيح أنه بالمنطوق ، لأنه لو قال ما له عليّ إلا دينار كان إقرارًا بالدينار ، ولو كان مفهومًا لم يكن مقرًّا لعدم اعتبار المفهوم بالأقارير اه - . وممن صرّح بأنه منطوق أبو الحسين بن القطان والشيخ أبو إسحق الشيرازي والغزالي ، بل نقله البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمدي ، قال في اللامع : وقيل الحصر من عموم المبتدأ باللام وخصوص خبره على حد صديقي زيد لعموم المضاف إلى المفرد وخصوص خبره ، ففي الرواية الأخرى كما سبق بدون إنما ، فالتقدير كل الأعمال بالنيات إذ لو كان عمل بلا نية لم تصدق هذه الكلية ، وأصل إنما أنّ التوكيدية دخلت عليها ما الكافة ، وهي حرف زائد خلافًا لمن زعم أنها ما النافية ، ولا يرد على دعوى الحصر نحو صوم رمضان بنيّة قضاء أو نذر حيث لم يقع له ما نوى لعدم قابلية المحل والضرورة في الحج ينويه للمستأجر فلا يقع إلا للناوي ، لأن نفس الحج وقع ، ولو كان لغير المنوي له . والفرق بينه وبين نيّة القضاء أو النذر في رمضان حيث لا يصح أصلاً لأن التعيين ليس بشرط في الحج فيحرم مطلقًا ثم يصرفه إلى ما شاء ، ولذا لو أحرم بنفله وعليه فرضه انصرف للفرض لشدة اللزوم ، فإذا لم يقبل ما أحرم به انصرف إلى القابل . نعم لو أحرم بالحج قبل وقته انعقد عمرة على الراجح لانصرافه إلى ما يقبل ، وهذا بخلاف ما لو أحرم بالصلاة قبل وقتها عالمًا لا تنعقد ، وأما إزالة النجاسة حيث لا تفتقر إلى نية فلأنها من قبيل التروك ، نعم تفتقر لحصول الثواب كتارك الزنا إنما يثاب بقصد أنه تركه امتثالاً للشرع ، وكذلك نحو القراءة والأذان والذكر لا يحتاج إلى نية لصراحتها إلا لغرض الإثابة . وخروج هذا ونحوه عن اعتبار النية فيها إما بديل آخر ، فهو من باب تخصيص العموم أو لاستحالة دخولها ، كالنية ومعرفة الله تعالى ، فإن النية فيهما محال . أما النية فلأنها لو توقفت على نية أخرى توقفت الأخرى على أخرى ، ولزم التسلسل أو الدور وهما محُالان . وأما معرفة الله تعالى فلأنها لو توقفت على النية مع أن النية قصد المنوي بالقلب ، لزم أن يكون عارفًا بالله تعالي قبل معرفته وهو محال ، والأعمال جمع عمل وهو حركة البدن بكله أو بعضه ، وربما أطلق على حركة النفس ، فعلى هذا يقال العمل إحداث أمر قولاً كان أو فعلاً بالجارحة أو بالقلب ، لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة لا نحو النية ، قاله ابن دقيق العيد ، قال : ورأيت بعض المتأخرين من أهل الخلاف خصّه بما لا يكون قولاً ، قال : وفيه نظر ولو خصص بذلك لفظ الفعل لكان أقرب من حيث استعمالها متقابلين ، فيقال : الأقوال والأفعال ولا تردد عندي في أن الحديث يتناول الأقوال أيضًا اه - . وتعقبه صاحب جمع العدة بأنه : إن أراد بقوله ولا