أحمد بن محمد القسطلاني

487

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الهمداني الجهني ( عن أبي ذر ) جندب بن جنادة الغفاري الصحابي رضي الله عنه أنه ( قال ) : ( أذّن مؤذّن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) . بلال ( الظهر ) بالنصب أي في وقت الظهر فحذف المضاف الذي هو الوقت وأقيم الظهر مقامه ، وبهذا يرد على الزركشي حيث قال : إن الصواب بالظهر أو للظهر ( فقال : ) عليه الصلاة والسلام لبلال رضي الله عنه : ( أبرد أبرد ) مرتين ( أو قال : ) عليه الصلاة والسلام : ( انتظر انتظر ) مرتين كذلك . فإن قلت : الإبراد للصلاة فكيف أمر المؤذن به للأذان ؟ أجيب : بأنه مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة ؟ وفيه خلاف مشهور وظاهر هذا يقوّي القول بأنه للصلاة ، لأن الأذان وقد وقع وانقضى ، أو أن المراد بالأذان الإقامة . ويؤيده حديث الترمذي بلفظ : فأراد بلال أن يقيم ، وفي رواية البخاري الآتية إن شاء الله تعالى في التالي ، فأراد المؤذّن أن يؤذن للقهر فقال له : أبرد وهي تقتضي أن الإبراد راجع إلى الأذان ، وأنه منعه من الأذان في ذلك الوقت . ( وقال ) : عليه الصلاة والسلام : ( شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة ) . أي إذا اشتد الحر فتأخروا عن الصلاة مبردين . قال أبو ذر : كان يقول ذلك ( حتى ) أي أخّرنا إلى أن ( رأينا فيء التلول ) بضم المثناة الفوقية وتخفيف اللام جمع تل بفتح أوّله كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحوهما ، وهي في الغالب مسطحة غير شاخصة لا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر ، والفيء ما بعد الزوال ، والظل أعم منه يكون لما قبل وما بعد ، والتلول لانبساطها لا يظهر فيها عقب الزوال فيء بخلاف الشاخص المرتفع . نعم دخول وقت الظهر لا بدّ فيه من فيء فالوقت لا يتحقق دخوله إلاّ عند وجوده ، فيحمل الفيء هنا على الزائد على هذا المقدار ، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في باب الإبراد في السفر . ورواة هذا الحديث الستة ما بين مدني وكوفي ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصلاة وفي صفة النار ، ومسلم وأبو داود وابن ماجة في الصلاة . 536 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ » . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) ولأبي ذر بن عبد الله بن المديني ( قال : حدّثنا سفيان ) بن عيينة ( قال : حفظناه من الزهري ) وفي رواية عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب ( عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أنه ( قال ) : ( إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ) ندبًا ، والمراد الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أوّل وقتها . ( فإن شدة الحر من فيح جهنم ) . فإن قلت : ظاهره يقتضي وجوب الإبراد . أجيب : بأن القرينة صرفته إلى الندبية لأن العلّة فيه دفع المشقّة عن المصلي لشدة الحر فصار من باب الشفقة والنفع . فإن قلت : ما الجمع بين هذا وبين حديث خباب شكونا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرّ الرمضاء فلم يشنّا أي لم يزل شكوانا ؟ أجيب : بأن الإبراد رخصة والتقديم أفضل ، أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد ، والإبراد مستحب لفعله عليه الصلاة والسلام له وأمره به ، أو حديث خباب محمول على أنهم طلبوا زائدًا على قدر الإبراد لأنه بحيث يحصل للحيطان ظل يمشى فيه . 537 - « وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ » . [ الحديث 537 - طرفه في : 3260 ] . ( واشتكت النار إلى ربها ) شكاية حقيقية بلسان المقال بحياة يخلفها الله تعالى فيها قاله عياض . وتعقبه الأبي بأنه لا بد من خلق إدراك مع الحياة انتهى . لكن قال الأستاذ أبو الوليد الطرطوشي فيما نقله في المصابيح : وإذا قلنا بأنها حقيقية فلا يحتاج إلى أكثر من وجود الكلام في الجسم ، أما في محاجة النار فلا بدّ من وجود العلم مع الكلام لأن المحاجّة تقتضي التفطّن لوجه الدلالة أو هي مجازية عرفية بلسان الحال عن لسان المقال كقوله : شكا إليّ جملي طول السرى . وقرّر البيضاوي ذلك فقال : شكواها مجاز عن غليانها ، وأكل بعضها بعضًا مجاز عن ازدحام أجزائها ، وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها . وصوّب النووي حملها على الحقيقة . وقال ابن المنير : هو المختار ، وقد ورد مخاطبتها للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وللمؤمنين بقولها : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي ، ويضعف حمل ذلك على المجاز قوله : ( فقالت : يا رب ) وللأربعة فقالت : رب ( أكل بعضي بعضًا ، فأذن لها ) ربها تعالى ( بنفسين ) : تثنية