أحمد بن محمد القسطلاني

488

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

نفس بفتح الفاء وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء ( نفس في الشتاء ونفس في الصيف ) بجر نفس في الموضعين على البدل أو البيان ، ويجوز رفعهما بتقدير أحدهما ونصبهما بأعني فهو ( أشد ما تجدون ) أي الذي تجدونه ( من الحر ) ، أي من ذلك النفس ، وهذا لا يمكن الحمل معه على المجاز ، ولو حملنا شكوى النار على المجاز لأن الإذن لها في التنفس ونشأة شدة الحر عنه لا يمكن فيه التجوّز ، والذي رويناه أشد بالرفع مبتدأ محذوف الخبر ، ويؤيده رواية النسائي من وجه آخر بلفظ : فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم الحديث ، أو خبر مبتدأ محذوف أي فذلك ، ويؤيده رواية غير أبوي ذر والوقت والأصيلي ، وعزاها ابن حجر لرواية الإسماعيلي من هذا الوجه فهو أشد ، ويجوز الجر على البدل من السابق ، ويجوز النصب مفعول تجدون الواقع بعد . قال الدماميني : وفيه بعد ( وأشد ) بالرفع أو الجر أو النصب ( ما تجدون من الزمهرير ) من ذلك النفس ولا مانع من حصول الزمهرير من نفس النار ، لأن المراد من النار محلها وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية ، والذي خلق الملك من الثلج والنار قادر على جمع الضدّين في محل واحد ، وفيه أن النار مخلوقة موجودة الآن وهو أمر قطعي للتواتر المعنوي خلافًا لمن قال من المعتزلة أنها إنما تخُلَق يوم القيامة . ورواته خمسة ، وفيه التحديث والقول والحفظ والعنعنة ، وأخرجه النسائي . 538 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ » . تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ . [ الحديث 538 - طرفه في : 3259 ] . وبه قال : ( حدّثنا عمر بن حفص ) ولأبي ذر ابن حفص بن غياث بكسر الغين المعجمة آخره مثلثة ( قال : حدّثنا أبي ) حفص بن طلق بفتح الطاء وسكون اللام ( قال : حدّثنا الأعمش ) سليمان بن مهران وللأصيلي عن الأعمش ( قال : حدّثنا أبو صالح ) ذكوان ( عن أبي سعيد ) الخدري رضي الله عنه : ( قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ( أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ) خصّ الشافعي الإبراد بالإمام المنتاب من بعد دون الفذ والجماعة بموضعهم كما مرّ ولم يقل بالإبراد في غير الظهر إلا أشهب . قال : يبرد بالعصر كالظهر ، وقال أحمد : تؤخر العشاء في الصيف كالظهر ، وعكس ابن حبيب فقال : إنما تؤخر في ليل الشتاء لطوله ، وتعجل في الصيف لقصره ، وقد يحتج بحديث الباب على مشروعية الإبراد للجمعة كما مرّ ، وبه قال بعض الشافعية وهو مقتضى صنيع المؤلّف . وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديث رواية الابن عن الأب والتحديث والعنعنة والقول : ( تابعه ) وفي رواية وتابعه أي تابع حفص بن غياث والد عمر المذكور ( سفيان ) الثوري مما وصله المصنف في صفة النار من بدء الخلق ، ( و ) تابع حفصًا أيضًا ( يحيى ) بن سعيد القطان مما وصله الإمام أحمد في مسنده عنه ، ( و ) كذا تابعه ( أبو عوانة ) الوضاح بن عبد الله في روايتهم ( عن الأعمش ) سليمان بن مهران في لفظ : أبردوا بالظهر . 10 - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ ( باب الإبراد بالظهر في ) حالة ( السفر ) كالحضر إذا كان المسافر غير سائر . 539 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ : " كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَبْرِدْ . ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ : أَبْرِدْ . حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ " . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَتَفَيَّأُ تَتَمَيَّلُ . وبالسند قال : ( حدّثنا آدم ) ولغير الأربعة ( ابن أبي إياس قال ) : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( قال : حدّثنا مهاجر أبو الحسن مولى لبني تيم الله ) وللحموي والكشميهني مولى بني تيم الله بالإضافة الكوفي ( قال : سمعت زيد بن وهب ) الجهني الكوفي المخضرم ( عن أبي ذر الغفاري ) رضي الله عنه ( قال ) : ( كنا مع النبي ) ولأبي ذر وابن عساكر مع رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفر ) قيده هنا بالسفر وأطلقه في السابقة مشيرًا بذلك إلى تلك الرواية المطلقة محمولة على هذه المقيدة ، لأن المراد من الإبراد التسهيل ودفع المشقّة فلا تفاوت بين السفر والحضر ، ( فأراد المؤذن ) بلال ( أن يؤذن للظهر ، فقال : ) له ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أبرد ثم أراد أن يؤذن فقال له : أبرد ) في رواية عن أبي الوليد عن شعبة مرتين أو ثلاثًا ، وجزم مسلم بن إبراهيم عن شعبة بذكر الثالثة ( حتى ) أي إلى أن ( رأينا فيء التلول ، ) وغاية الإبراد حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال ، أو ربع قامة أو ثلثها أو نصفها . وقيل غير ذلك أو