أحمد بن محمد القسطلاني
479
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
إن شاء الله تعالى ذلك مستوفى ، واستنبط ابن العرب من هذا الحديث جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملك ليس مكلفًا بمثل ما كلّف به البشر . وأجيب : باحتمال أن تكون تلك الصلاة غير واجبة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينئذ ، وعورض بأنها كانت صبيحة ليلة فرضها . وأجيب : باحتمال كون الوجوب معلقًا ببيان جبريل صلوات الله وسلامه عليه . فلم يتحقق الوجوب إلاّ بعد تلك الصلاة ، وبأن جبريل عليه الصلاة والسلام كان مكلفًا بتبليغ تلك الصلاة فلم يكن متنفلاً ، وحينئذ فهي صلاة مفترض خلف مفترض . ورواته التسعة مدنيون ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في بدء الخلق وفي المغازي ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة . 2 - باب { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [ الروم : 31 ] هذا ( باب ) بالتنوين ( قول الله تعالى ) كذا لأبي ذر ولغيره باب قوله تعالى بالإضافة ، وسقط للأصيلي لفظ باب وقال قول الله عز وجل : { منيبين إليه } راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى وقيل منقطعين { واتقوه } أي خافوه وراقبوه { وأقيموا الصلاة } التي هي الطاعة العظمى { ولا تكونوا من المشركين } [ الروم : 31 ] . بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا تريدون بها سواه . وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها ، لكن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين ، فورد النهي عن التشبه بهم لا أن من وافقهم في الترك صار مشركًا وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة . 523 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ - عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَىِّ مِنْ رَبِيعَةَ ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا . فَقَالَ : آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ : الإِيمَانِ بِاللَّهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ - شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَىَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ . وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ ، وَالْحَنْتَمِ ، وَالْمُقَيَّرِ ، وَالنَّقِيرِ » . [ انظر الحديث 53 - وأطرافه ] . وبالسند قال : ( حدّثنا قتيبة بن سعيد ) بضم القاف وكسر العين وسقط ابن سعيد للأصيلي ( قال : حدّثنا عباد هو ) ولأبي ذر وهو ( ابن عباد ) بفتح العين وتشديد الموحدة فيهما ابن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة البصري ( عن أبي جمرة ) بالجيم والراء نصر بن عمران البصري ( عن ابن عباس ) رضي الله عنهما . ( قال : قدم وفد عبد القيس ) بن أفصى بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الصاد المهملة ( على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) عام الفتح بمكة ( فقالوا : إنا هذا الحي ) بالنصب على الاختصاص ، ولغير الأربعة إنّا من هذا الحي ( من ربيعة ) لأن عبد القيس من أولاد ربيعة ( ولسنا نصل إليك إلاّ في الشهر الحرام ) رجب كما عند البيهقي أو المراد الجنس فيشتمل الأربعة ( فمرنا بشيء نأخذه منك ) بالرفع على الاستئناف لا بالجزم جوابًا للأمر لقوله ( ندعو إليه ) إذ هو معطوف عليه مرفوع قاله العيني ، والذي في اليونينية الجزم ليس إلا ( من وراءنا ) مفعول ندعو أي الذين خلفناهم في بلادنا ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( آمركم بأربع ) من الخصال ( وأنهاكم عن أربع ) من الخصال : ( الإيمان بالله ) خفض وللأصيلي عز وجل بدل من أربع أو رفع بتقدير هي ، ( ثم فسرها لهم ) أنّث الضمير بالنظر إلى كلمة الإيمان فقال هي ( شهادة أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ، وإقام الصلاة ) المكتوبة وقرنها بنفي الإشراك به تعالى لأن الصلاة أعظم دعائم الإسلام بعد التوحيد وأقرب الوسائل إليه تعالى . ( وإيتاء الزكاة ) المفروضة ( وأن تؤدّوا إليّ خُمس ما غنمتم ) أي الذي غنمتموه وذكر رمضان في الرواية السابقة في باب أداء الخمس من الايمان ، ولم يذكره هنا مع أنه فرض في السنة الثانية من الهجرة ، ووفادة هؤلاء كانت عام الفتح كما مرّ فقيل : هو إغفال من الرواة لا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قاله في موضع ولم يقله في آخر قاله ابن الصلاح ( وأنهى ) وللحموي والأصيلي وأنهاكم ( عن ) الانتباذ في ( الدباء ) بضم الدال وتشديد الموحدة ممدودًا اليقطين اليابس ( و ) عن الانتباذ في ( الحنتم ) بفتح المهملة الجرار الخضر أو غير ذلك ( و ) في ( المقير ) ما طلي بالقار ( و ) في ( النقير ) بفتح النون وكسر القاف ما ينقر في أصل النخلة فيوعى فيه . وقد سبقت مباحث هذا الحديث في باب أداء الخمس من الإيمان ووجه مطابقته للترجمة من جهة أن في الآية اقتران نفي الشرك بإقامة الصلاة ، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها . ورواته الأربعة ما بين بلخي وبصري وفيه التحديث والعنعنة والقول . 3 - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ ( باب البيعة على إقام الصلاة )