أحمد بن محمد القسطلاني
47
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها مزيد لذلك بعون الله تعالى ، وليس مراد القائل بأن الاسم عين المسمى أن اللفظ الذي هو الصوت المكيّف بالحروف عين المعنى الذي وضع له اللفظ ، إذ لا يقول به عاقل ، وإنما مراده أنه قد يطلق اسم الشيء مرادًا به مسماه وهو الكثير الشائع ، فإنك إذا قلت الله ربنا ونحو ذلك إنما تعني به الإخبار عن المعنى المدلول عليه باللفظ لا عن نفس اللفظ ، وقد قال جماعة إن الاسم الأعظم هو اسم الجلالة الشريفة لأنه الأصل في الأسماء الحسنى لأن سائرها يضاف إليه والرحمن صفة الله تعالى ، وعورض بوروده غير تابع لاسم قبله . قال الله تعالى : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] { الرَّحْمَنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ } [ الرحمن : 1 ، 2 ] وأجيب بأنه وصف يراد به الثناء ، وقيل عطف بيان . وردّه السهيلي بأن اسم الجلالة الشريفة غير مفتقر لبيان لأنه أعرف المعارف كلها ، ولذا قالوا وما الرحمن ولم يقولوا وما الله ، والرحيم فعيل حوّل من فاعل للمبالغة ، والاسمان مشتقان من الرحمة ومعناهما واحد عند المحققين ، إلا أن الرحمن مختص به تعالى فهو خاص اللفظ إذ لا يجوز أن يسمى به أحد غير الله تعالى عام المعنى من حيث إنه يشمل جميع الموجودات ، والرحيم عام من حيث الاشتراك في التسمي به خاص من طريق المعنى ، لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق . وقدّم الرحمن لاختصاصه بالباري تعالى كاسم الله وقرن بينهما للمناسبة ، ولم يأتِ المصنف رحمه الله تعالى بخطبة تنبىء عن مقاصد كتابه هذا مبتدأة بالحمد والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما فعل غيره اقتداء بالكتاب العزيز ، وعملاً بحديث " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " المروي في سنن ابن ماجة وغيرها لأنه صدّر كتابه بترجمة بدء الوحي ، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية ، فكأنه قال قصدت جمع وحي السنة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فاكتفى بالتلويح عن التصريح . وأما الحديث فليس على شرطه بل تكلم فيه لأن في سنده قرة بن عبد الرحيم ، ولئن سلمنا الاحتجاج به فلا يتعين النطق والكتابة معًا فيحمل على أنه فعل ذلك نطقًا عند تأليفه اكتفاء بكتابة البسملة ، وأيضًا فإنه ابتدأ ببسم الله ثم رتب عليه من أسماء الصفات الرحمن الرحيم ، ولا يعني بالحمد إلا هذا لأنه الوصف بالجميل على جهة التفضيل ، وفي جامع الخطيب مرفوعًا " كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " وفي رواية أحمد لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع ولا ينافيه حديث بحمد الله لأن معناه الافتتاح بما يدل على المقصود من حمد الله تعالى والثناء عليه ، لا أن لفظ الحمد متعين لأن القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله تعالى ، وقد حصل بالبسملة لا سيما وأول شيء نزل من القرآن اقرأ باسم ربك ، فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها ، ويعضده أن كتبه عليه الصلاة والسلام إلى الملوك مفتتحة بها دون حمدلة وغيرها ، وحينئذ فكأن المؤلف أجرى مؤلفه هذا مجرى الرسالة إلى أهل العلم لينتفعوا به . وتعقب بأن الحديث صحيح صححه ابن حبان وأبو عوانة ، وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة أخرجه النسائي ، ولئن سلمنا أن الحديث ليس على شرطه فلا يلزم منه ترك العمل به مع مخالفة سائر المصنفين وافتتاح الكتاب العزيز ، وبأن لفظ الذكر غير لفظ الحمد ، وليس الآتي بلفظ الذكر آتيًا بلفظ الحمد ، والغرض التبرّك باللفظ المفتتح به كلام الله تعالى انتهى . والأولى الحمل على أن البخاري تلفظ بذلك ، إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه لا يكون إلا بالكتابة ، وثبتت البسملة لأبي ذر والأصيلي . 1 - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْوَحْي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } ( كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كذا لأبي ذر والأصيلي بإسقاط لفظ ( باب ) ولأبي الوقت وابن عساكر والباقي باب كيف الخ ، وهو بالرفع خبر لمبتدأ محذوف ، أي هذا باب كيف ، ويجوز فيه التنوين والقطع عما بعده وتركه للإضافة إلى الجملة التالية . لا يقال إنما يضاف إلى الجملة أحد أشياء مخصوصة ، وهي كما في مغني ابن هشام ثمانية أسماء : الزمان ، وحيث ، وآية بمعنى علامة ، وذو ، ولدن ، وريث ، وقول ، وقائل ، واستدل للأخيرين بقوله :