أحمد بن محمد القسطلاني

48

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

قول يا للرجال ينهض منا . . . مسرعين الكهول والشبانا وقوله : وأجبت قائل كيف أنت بصالح . . . حتى مللت وملني عوّادي وليس الباب شيئًا منها ، لأن هذا الذي ذكره النحاة كما قاله الشيخ بدر الدين الدماميني في مصابيح الجامع إنما هو في الجملة التي لا يراد بها لفظها ، وأما ما أريد به لفظه من الجمل فهو في حكم المفرد ، فتضيف إليه ما شئت مما يقبل بلا حصر . ألا ترى أنك تقول محل قام أبوه من قولك زيد قام أبوه رفع ، ومعنى لا إله إلاّ الله إثبات الألوهية لله ونفيها عما سواه إلى غير ذلك ، وهنا أريد لفظ الجملة قال ، ولا يخفى سقوط قول الزركشي لا يقال ، كيف لا يضاف إليها لأنّا نقول الإضافة إلى الجملة ، كلا إضافة . وقال في الشرح : لا ينبغي أن يعدّ هذان البيتان من قبيل ما هو بصدده لأن الجملة التي أضيف إليها كل من قول وقائل مراد بها لفظها ، فهي في حكم المفرد وليس الكلام فيه ، وتعقبه الشيخ تقيّ الدين الشمني فقال لا نسلم أن الكلام ليس فيه بل الكلام فيما هو أعمّ منه اه - . فليتأمل وقد استبان لك أن عدّ ابن هشام في مغنيه قولاً وقائلاً من الألفاظ المخصوصة التي لا تضاف إلى الجملة غير ظاهر . وكيف في قول البخاري باب كيف كان بإضافة باب خبر لكان إن كانت ناقصة ، وحال من فاعلها إن كانت تامة ، ولا بدّ قبلها من مضاف محذوف والتقدير باب جواب كيف كان بدء الوحي ، وإنما احتيج إلى هذا المضاف لأن المذكور في هذا الباب هو جواب كيف كان بدء الوحي لا السؤال بكيف عن بدء الوحي ، ثم إن الجملة من كان ومعمولها في محل جرّ بالإضافة . ولا تخرج كيف بذلك عن الصدرية لأن المراد من كون الاستفهام له الصدر أن يكون في صدر الجملة التي هو فيها ، وكيف على هذا الإعراب كذلك . والبدء بفتح الموحدة وسكون المهملة آخره همزة من بدأت الشيء بدأ ابتدأت به . قال القاضي عياض روي بالهمز مع سكون الدال من الابتداء وبدوّ بغير همزة مع ضم الدال وتشديد الواو من الظهور ، ولم يعرف الأخيرة الحافظ ابن حجر ، نعم قال روي في بعض الروايات كيف كان ابتداء الوحي ، فهذا يرجح الأولى وهو الذي سمعناه من أفواه المشايخ ، والوحي الإعلام في خفاء . وفي اصطلاح الشرع إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء ، إما بكتاب أو برسالة ملك أو منام أو إلهام . وقد يجيء بمعنى الأمر نحو : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } [ المائدة : 111 ] ، وبمعنى التسخير نحو { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل } [ النحل : 68 ] أي سخرها لهذا الفعل ، وهو اتخاذها من الجبال بيوتًا إلى آخره . وقد يعبر عن ذلك بالإلهام ، لكن المراد به هدايتها لذلك ، وإلا فالإلهام حقيقة إنما يكون لعاقل ، والإشارة نحو { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } [ مريم : 11 ] وقد يطلق على الموحى كالقرآن والسُّنّة من إطلاق المصدر على المفعول . قال تعالى : { إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } [ النجم : 4 ] . والتصلية جملة خبرية يراد بها الإنشاء كأنه قال اللهمَّ صل . ( وقول الله جل ذكره ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي . وقول الله عز وجل ، ولابن عساكر وقول الله سبحانه ، وقول مجرور عطفًا على محل الجملة التي أضيف إليها الباب ، أي باب كيف كان ابتداء الوحي . ومعنى قول الله قيل وإنما لم يقدّروا باب كيف قول الله ، لأن قول الله لا يكيف . وأجيب بأنه يصح على تقدير مضاف محذوف أي كيف نزول قول الله ، أو كيف فهم معنى قول الله ، أو أن يراد بكلام الله المنزل المتلوّ لا مدلوله ، وهو الصفة القائمة بذات الباري تعالى ويجوز رفعه مبتدأ محذوف الخبر ، أي وقول الله تعالى كذا مما يتعلق بهذا الباب ونحو هذا من التقدير أو خبره . ( إنّا أوحينا إليك ) وحي إرسال فقط ( كما أوحينا ) أي كوحينا ( إلى نوح والنبيين من بعده ) زاد أبو ذر الآية . قاله العيني فليتأمل وهذا جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء ، واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء . وآثر صيغة التعظيم تعظيمًا للموحي والموحى إليه . قيل خصّ نوحًا بالذكر لأنه أول مشرع ، وعورض بأن أول مشرّع آدم لأنه نبي أرسل إلى بنيه وشرّع لهم شرائع ، ثم شيث وكان نبيًّا مرسلاً ، وبعده إدريس . وقيل إنما