أحمد بن محمد القسطلاني
449
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة ، وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع ، والمراد قوله تعالى : { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } [ البقرة : 275 ] إلى آخر العشر ، وبالأكل الأخذ ، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال ، ولأن الربا شائع في المطعومات ( خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى المسجد فقرأهنّ على الناس ثم حرم تجارة الخمر ) ، وللإمام أحمد فحرم التجارة في الخمر وهو من تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات ، ومفهومه سبق تحريم الخمر على تحريم الربا ، ويؤيده ما نقل عن عياض أنه كان قبل نزول آيات الربا بمدة طويلة ، فيحتمل وقوع الإخبار بالتحريم مرتين للتأكيد أو تأخر التحريم هنا عن تحريم عينها . وتأتي مباحث هذا الحديث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة البقرة بعون الله تعالى . ورواة هذا الحديث الستة ما بين مروزي وكوفي ، وفيه ثلاثة من التابعين والتحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في البيوع وفي التفسير ، ومسلم وابن داود والنسائي وابن ماجة . 74 - باب الْخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ { نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } : لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهُ . ( باب الخدم للمسجد ) ولكريمة وأبي الوقت وابن عساكر في المسجد ، وكان الأولى ذكر هذا الباب قبل سابقه . ( وقال ابن عباس ) رضي الله عنهما مما وصله ابن أبي حاتم بمعناه في تفسير قوله تعالى حكاية عن حنّة بفتح الحاء المهملة وتشديد النون بنت فاقوذا امرأة فرعون ، وكانت عاقرًا فرأت يومًا طائرًا يزق فرخه فاشتهت الولد ، فسألت الله أن يهبها ولدًا ، فاستجاب الله دعاءها فواقعها زوجها فحملت منه ، فلما تحقّقت الحمل قالت ما أخبر الله تعالى عنها { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ) } [ آل عمران : 35 ] وللأصيلي تعني محررًا أي معتقًا ( للمسجد ) الأقصى ( يخدمه ) لا أشغله بشيء غيره ، ولأبي ذر يخدمها أي المساجد أو الصخرة أو الأرض المقدسهّ ، وكان النذر مشروعًا عندهم في الغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكرًا { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى } [ آل عمران : 36 ] قالته تحسّرًا وتحزّنًا إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكرًا تحرّره للمسجد ، فتقبلها ربها فرضي بها في النذر مكان الذكر بقبول حسن بوجه حسن تقبّل به النذائر وهو إقامتها مقام الذكر . 460 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً - أَوْ رَجُلاً - كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ امْرَأَةً - فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ . وبه قال : ( حدّثنا أحمد بن واقد ) بالقاف نسبه لجدّه لشُهرته به وأبوه عبد الملك الحراني ، المتوفى ببغداد سنة إحدى وعشرين ومائتين ( قال : حدّثنا حماد ) وللأصيلي حماد بن زيد ( عن ثابت ) البناني ( عن أبي رافع ) نفيع ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن امرأة أو رجلاً كانت تقم المساجد ) فحذف أو كان كما سبق فحذف من الأوّل خبر المؤنث وهنا خبر المذكر اعتبارًا بالسابق ليكون جاريًا على المهيع الكثير وهو الحذف من الثاني لدلالة الأوّل قاله الدماميني . نعم في رواية أبي ذر كان يقم المسجد بالتذكير . قال أبو رافع : ( ولا أراه ) بضم الهمزة أي لا أظنه ( إلا امرأة فذكر ) أبو هريرة ( حديث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) السابق ( أنه صلّى على قبره ) ولأبي الوقت والأصيلي قبرها ، وفي رواية على قبر بغير الضمير . 75 - باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ ( باب ) حكم ( الأسير أو الغريم ) حال كونه ، ( يربط في المسجد ) الإباحة وأو للتنويع والأسير الأخيذ ، ولابن السكن وابن عساكر الأسير والغريم بواو العطف . 461 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَىَّ الْبَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَىَّ الصَّلاَةَ ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي } قَالَ رَوْحٌ : فَرَدَّهُ خَاسِئًا . [ الحديث 461 - أطرافه في : 1210 ، 3284 ، 3423 ، 4808 ] . وبه قال : ( حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ) بن راهويه ( قال : أخبرنا ) وللأصيلي حدّثنا ( روح ) بفتح الراء ابن عبادة بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة ( ومحمد بن جعفر ) المشهور بغندر كلاهما ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن محمد بن زياد ) بكسر الزاي المعجمة وتخفيف المثناة التحتية القرشي الجمحي مولى آل عثمان بن مظعون ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ] : ( إن عفريتًا ) أي جنيًّا ماردًّا ( من الجن ) بيان له ( تفلت عليّ البارحة ) أي تعرّض لي فلتة أي بغتة في سرعة في أدنى ليلة مضت ، وتفلت بفتحات مع تشديد اللام ونصب البارحة على الظرفية . ( أو قال ) عليه الصلاة والسلام ( كلمة نحوها ) أي كقوله في الرواية الآتية إن شاء الله تعالى في أواخر الصلاة عرض لي فشدّ عليّ ، فالضمير لجملة تفلت عليّ البارحة ( ليقطع ) بفعله ( عليّ الصلاة فأمكنني الله منه فأردت ) بالفاء ، ولأبوي ذر والوقت