أحمد بن محمد القسطلاني
424
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سابق بين الخيل التي أضمرت ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي ضمرت بأن أدخلت في بيت وجلل عليها بجل ليكثر عرقها فيذهب رهلها ويقوى لحمها ويشتدّ جريها ، وقيل غير ذلك مما سيأتي إن شاء الله تعالى في محله ، وكان فرسه الذي سابق به يسمى السكب بالكاف وهو أوّل فرس ملكه وكانت المسابقة ( من الحفياء ) بفتح المهملة وسكون الفاء مع المدّ قال السفاقسي : وربما قرئ بضم الحاء مع القصر وهو موضع بقرب المدينة ( وأمدها ) بفتح الهمزة والميم أي غايتها ( ثنية الوداع ) بالمثلثة وبينها وبين الخفياء خمسة أميال أو ستة أو سبعة . ( وسابق ) عليه الصلاة والسلام ( بين الخيل التي لم تضمر ) بفتح الضاد المعجمة وتشديد الميم المفتوحة ، وفي رواية لم تضمر بسكون الضاد وتخفيف الميم ( من ) المذكورة ( إلى مسجد بني زريق ) بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون المثناة التحتية آخره قاف ابن عامر ، وإضافة المسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك كما مرّ ( وأن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب ( كان فيمن سابق بها ) أي بالخيل أو بهذه المسابقة ، وهذا الكلام إما من قول ابن عمر عن نفسه كما تقول عن نفسك العبد فعل كذا أو هو من مقول نافع الراوي عنه . واستنبط منه مشروعية تضمير الخيل وتمرينها على الجري وإعدادها لإعزاز كلمة الله تعالى ونصرة دينه قال تعالى : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ الأنفال : 60 ] الآية وجواز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم ولا يكون ذلك تزكية لهم . وقد أخرج المؤلّف الحديث أيضًا في المغازي وأبو داود في الجهاد والنسائي في الخيل . 42 - باب الْقِسْمَةِ وَتَعْلِيقِ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : الْقِنْوُ الْعِذْقُ ، وَالاِثْنَانِ قِنْوَانِ ، وَالْجَمَاعَةُ أَيْضًا قِنْوَانٌ . مِثْلَ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ . ( باب القسمة ) للشيء ( وتعليق القنو ) بكسر القاف وسكون النون ( في المسجد ) اللام للجنس والجار متعلق بقوله القسمة وتعليق ( قال أبو عبد الله ) أي البخاري رحمه الله : ( القنو ) هو ( العذق ) بكسر المهملة وسكون المعجمة وهي الكباسة بشماريخه وبسره وأما بفتح العين المهملة فالنخلة ، ( والاثنان قنوان ) كفعلان بكسر الفاء والنون ( والجماعة أيضًا قنوان ) بالرفع والتنوين وبه يتميز عن المثنى كثبوت نونه عند إضافته بخلاف المثنى فتحذف ( مثل صنو وصنوان ) في الحركات والسكنات والتثنية والجمع والصاد فيهما مكسورة وهو أن تبرز نخلتان أو ثلاثة من أصل واحد ، فكل واحدة منهنّ صنو واحد ، والاثنان صنوان بكسر النون ، والجمع صنوان بإعرابها ، ولم يذكر المؤلّف جمعه لظهوره من الأوّل . وهذا التفسير من قوله قال إلخ ثابت عند أبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت ساقط لغيرهم . 421 - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : انْثُرُوهُ فِي الْمَسْجِدِ . وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الصَّلاَةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ جَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلاَّ أَعْطَاهُ . إِذْ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي ، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلاً . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خُذْ فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إِلَىَّ . قَالَ : لاَ . قَالَ : فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَىَّ . قَالَ : لاَ . فَنَثَرَ مِنْهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أُؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَىَّ . قَالَ : لاَ . قَالَ : فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَىَّ . قَالَ : « لاَ » . فَنَثَرَ مِنْهُ . ثُمَّ احْتَمَلَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ - حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا - عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ . فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ . [ الحديث 421 - طرفاه في : 3049 ، 3165 ] . ( وقال إبراهيم يعني ابن طهمان ) بفتح الطاء المهملة وسكون الهاء ابن شعبة الخراساني وسقط اسم أبيه في رواية الأربعة ، وإثباته هو الصواب كما قاله ابن حجر ليزول الاشتباه ، وقد وصله أبو نعيم في المستخرج والحاكم في المستدرك من طريق أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري عن إبراهيم بن طهمان ( عن عبد العزيز بن صهيب ) بضم الصاد وفتح الهاء ( عن أنس رضي الله عنه قال ) : ( أتي رسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بضم أتي مبنيًّا للمفعول ( بمال ) وكان مائة ألف كما عند ابن أبي شيبة من طريق حميد مرسلاً وكان خراجًا ( من البحرين ) بلدة بين بصرة وعمان ( فقال ) عليه الصلاة والسلام : ( انثروه ) بالمثلثة أي صبوه ( في المسجد وكان أكثر مال أُتي به رسول الله ل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ) أي إلى المال ، ( فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلاّ أعطاه ) منه ( إذ جاءه ) ( العباس ) عمه ( رضي الله عنه ) قال في المصابيح : المعنى والله أعلم فبينما هو على ذلك إذ جاءه العباس ( فقال : يا رسول الله أعطني ) فإني فاديت نفسي يوم بدر ( وفاديت عقيلاً ) بفتح العين المهملة وكسر القاف ابن أخي أي حين أسرنا يوم بدر ( فقال له ) أي للعباس ( رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خذ . فحثى ) بالمهملة والمثلثة من الحثية وهي ملء اليد ( في ثوبه ) أي حثى العباس في ثوبه نفسه ، ( ثم ذهب ) رضي الله عنه ( يقله ) بضم الياء أي يرفعه ( فلم يستطع ) حمله ( فقال : يا رسول الله أؤمر بعضهم يرفعه إليَّ ) بياء المضارعة . والجزم جوابًا للأمر أي فإن تأمره يرفعه أو بالرفع استئنافًا أي : هو يرفعه والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض ، والبارز إلى المال الذي حثاه في ثوبه ، وأؤمر بهمزة مضمومة فأخرى ساكنة ، وتحذف الأولى عند الوصل وتصير الثانية ساكنة ، وهذا جار على الأصل . وللأصيلي مُر على وزن على فحذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أوّل كلمة ، وهو مؤدّ إلى الاستثقال فصار أمر فاستغنى عن همزة الوصل لتحرّك ما بعدها فحذفت ، ولأبي ذر في نسخة يرفعه بالموحدة المكسورة وسكون الفاء . ( قال ) عليه السلام ( لا ) آمر أحدًا يرفعه . ( قال : فارفعه أنت عليّ ) قال : ( لا ) أرفعه وإنما فعل عليه السلام ذلك معه تنبيهًا له على الاقتصاد وترك الاستكثار من المال ، ( فنثر ) العباس ( منه ثم ذهب يقله ) فلم يستطع حمله