أحمد بن محمد القسطلاني
4
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " نضر الله امرءًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . رواه الشافعيّ والبيهقي وكذا أبو داود والترمذيّ بلفظ : " نضر الله امرءًا سمع منّا شيئًا فبلغه كما سمعه فربّ مبلغ أوعى من سامع " . وقال الترمذي : حسن صحيح . وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه عن النبي ّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال في حجة الوداع : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فربّ حامل فقه ليس بفقيه " الحديث . رواه البزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه من حديث زيد بن ثابت ، وكذا روي من حديث معاذ بن جبل والنعمان بن بشير وجبير بن مطعم وأبي الدرداء وأبي قرصافة وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وبعض أسانيدهم صحيح ، كما قاله المنذري ، وقوله نضر الله بتشديد الضاد المعجمة وتخفف ، والنضرة : الحسن والرونق ، والمعنى خصّه الله تعالى بالبهجة والسرور لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السُّنَّة ، فجازاه في دعائه له بما يناسب حاله في المعاملة . وأيضًا فإن من حفظ ما سمعه وأدّاه كما سمعه من غير تغيير ، كأنه جعل المعنى غضًّا طريًّا ، وخصّ الفقه بالذكر دون العلم إيذانًا بأنّ الحامل غير عار عن العلم إذ الفقه علم بدقائق العلوم المستنبطة من الأقيسة . ولو قال غير عالم لزم جهله . وقوله ربّ وضعت للتقليل ، فاستعيرت في الحديث للتكثير . وقوله إلى من هو أفقه منه صفة لدخول رب استغنى بها عن جوابها ، أي رب حامل فقه أدّاه إلى من هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللهَّم ارحم خلفائي " قلنا يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال : " الذين يروون أحاديثي ويعلمونها الناس " . رواه الطبرانّي في الأوسط . ولا ريب أنَّ أداء السنن إلى المسلمين نصيحة لهم من وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فمن قام بذلك كان خليفة لن يبلغ عنه . وكما لا يليق بالأنبياء عليهم السلام أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم ، كذلك لا يحسن لطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويضعها عدوّه ، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبر همه نشر الحديث ، فقد أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتبليغ عنه حيث قال : " بلغوا عني ولو آية " الحديث رواه البخاري رحمه الله . قال المظهري أي بلغوا عني أحاديثي ولو كانت قليلة . قال البيضاوي رحمه الله قال : " ولو آية " ولم يقل ولو حديثًا لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم منه بطريق الأولوية ، فإن الآيات مع انتشارها وكثرة حملتها تكفل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف اه - . وقال إمام الأئمة مالك رحمه الله تعالى : بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما تسأل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال سفيان الثوري : لا أعلم علمًا أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى ، إن الناس يحتاجون إليه حتى في طعامهم وشرابهم ، فهو أفضل من التطوّع بالصلاة والصيام لأنه فرض كفاية . وفي حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " . وهذا الحديث رواه من الصحابة عليّ وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود وابن عباس وجابر بن سمرة ومعاذ وأبو هريرة رضي الله عنهم ، وأورده ابن عديّ من طرق كثيرة كلها ضعيفة ، كما صرّح به الدارقطني وأبو نعيم وابن عبد البرّ ، لكن يمكن أن يتقوّى بتعدّد طرقه ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائي ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المنقبة العلية ، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية وبيان لجلالة قدر المحدّثين وعلوّ مرتبتهم في العالين ، لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين ، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها . وقال النووي في أوّل تهذيبه : هذا إخبار منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه ، وأن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلفًا من العدول يحملونه وينفون عنه التحريف فلا يضيع ، وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر . وهكذا وقع