أحمد بن محمد القسطلاني

5

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ولله الحمد ، وهو من أعلام النبوّة ، ولا يضرّ كون بعض الفسّاق يعرف شيئًا عن علم الحديث ، فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه اه - . على أنه قد يقال ما يعرفه الفسّاق من العلم ليس بعلم حقيقة لعدم عملهم ، كما أشار إليه المولى سعد الدين التفتازانيّ في تقرير قول التلخيص : وقد ينزل العالم منزلة الجاهل ، وصرّح به الإمام الشافعي في قوله : ولا العلم إلا مع التقى ولا العقل إلا مع الأدب . ولعمري إن هذا الشأن من أقوى أركان الدين وأوثق عُرى اليقين . لا يرغب في نشره إلا صادق تقيّ ولا يزهده إلا كل منافق شقيّ . قال ابن القطان : ليس في الدنيا مبتدع إلا وهو يبغض أهل الحديث . وقال الحاكم : لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأسانيد لدرس منار الإسلام ولتمكن أهل الإلحاد والبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد . وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن رسول الله قال : " العلم ثلاثة آية محكمة أو سُنّة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك فهو فضل " . رواه أبو داود وابن ماجة . قال في شرح المشكاة : والتعريف في العلم للعهد وهو ما علم من الشارع وهو العلم النافع في الدين ، وحينئذ العلم مطلق فينبغي تقييده بما يفهم منه المقصود ، فيقال علم الشريعة معرفة ثلاثة أشياء والتقسيم حاصر ، وبيانه أن قوله آية محكمة يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقف عليه معرفته ، لأن المحكمة هي التي أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه ، فكانت أمّ الكتاب ، فتحمل المتشابهات عليها وترد إليها ، ولا يتم ذلك إلا للماهر الحاذق في علم التفسير والتأويل ، الحاوي لمقدّمات يفتقر إليها من الأصلين وأقسام العربية ، وقوله سُنّة قائمة ، معنى قيامها ثباتها ودوامها بالمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت ، لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشئ النافق الذي تتوجّه إليه الرغبات ويتنافس فيه المخلصون بالطلبات ، ودوامها إما أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرجال والجرح والتعديل ، ومعرفة الأقسام من الصحيح والحسن والضعيف المتشعب منه أنواع كثيرة ، وما يتصل بها من المتممات مما يسمى علم الاصطلاح مما يأتي في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى . وإما أن يكون بحفظ متونها من التغيير والتبديل بالإتقان وتفهم معانيها واستنباط العلوم منها كما سيأتي إن شاء الله تعالى في هذا الشرح بعون الله سبحانه ، لأن جلّها بل كلها من جوامع كلمه التي خصّ بها لا سيما هذه الكلمة الفاذّة الجامعة مع قصر متنها وقرب طرفيها علوم الأوّلين والآخرين . وقوله أو فريضة عادلة أي مستقيمة مستنبطة من الكتاب والسُّنة والإجماع . وقوله : " وما سوى ذلك فهو فضل " أي لا مدخل له في أصل علوم الدين ، بل ربما يستعاذ منه حينًا كقوله : " أعوذ بك من علم لا ينفع " ولله درّ أبي بكر حميد القرطبيّ فلقد أحسن وأجاد حيث قال : نور الحديث مبين فادن واقتبس . . . واحد الركاب له نحو الرضا الندس واطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت . . . أعلامه برباها يا ابن الدلس فلا تضعْ في سوى تقييد شارده . . . عمرًا يفوتك بين اللحظ والنفس وخل سمعك عن بلوى أخي جدل . . . شغل اللبيب بها ضرب من الهوس ما إن سمت بأبي بكر ولا عمر . . . ولا أتت عن أبي هرّ ولا أنس إلا هوى وخصومات ملفقة . . . ليست برطب إذا عدت ولا يبس فلا يغرك من أربابها هذر . . . أجدى وجدك منها نغمة الجرس أعرهم أذنًا صمًّا إذا نطقوا . . . وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس ما العلم إلا كتاب الله أو أثر . . . يجلو بنور هداه كل ملتبس نور لمقتبس خير لملتمس . . . حمى لمحترس نعم لمبتئس