أحمد بن محمد القسطلاني
24
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع ، فأضافها إليه : ويبيّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث . قال الحافظ ابن حجر : وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها بحيث يتعسر الجمع بين الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة اه - . وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث أن الكتاب قرىء على مؤلفه ، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوّبًا ، فالعبرة بالرواية لا بالمسودّة التي ذكر صفتها ، ثم إن التراجم الواقعة فيه تكون ظاهرة وخفية ، فالظاهرة أن تكون الترجمة دالّة بالمطابقة لما يورده في مضمنها ، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة ، كأنه يقول هذا الباب الذي فيه كيت وكيت . وقد تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو ببعضه أو بمعناه ، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد فيعين أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحديث ، وقد يوجد فيه عكس ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة ، والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه ، مثلاً المراد بهذا الحديث العام الخصوص أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعارًا بالقياس لوجود العلة الجامعة ، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى ، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكر في العام والخاص ، وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل ، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم البخاري ، ولذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء : فقه البخاري في تراجمه ، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به ويستنبط الفقه منه ، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه ، وكثيرًا ما يفعل ذلك أي هذا الأخير حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا ، فكأنه يحيل عليه ويومىء بالرمز والإشارة إليه ، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله : باب هل يكون كذا ، أو من قال كذا ونحو ذلك . وذلك حيث لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين ، وغرضه بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت ، فيترجم على الحكم ومراده ما يفسر بعد من إثباته أو نفيه ، أو أنه محتمل لهما ، وربما كان أحد المحتملين أظهر ، وغرضه أن يبقي للناظر مجالاً وينبّه على أن هناك مجالاً أو تعارضًا يوجب التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالاً أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به ، وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهر قليل الجدوى ، لكنه إذا حقّقه المتأمل أجدى كقوله : باب قول الرجل ما صلينا . فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك . وكثيرًا ما يترجم بأمر يختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادىء الرأي كقوله : باب استياك الإمام بحضرة رعيته . فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة ، فلعل أن يظن أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة ، فلما وقع في الحديث أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استاك بحضرة الناس دل على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر ، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد ، قال الحافظ ابن حجر : ولم أرَ هذا في البخاري ، فكأنه ذكره على سبيل المثال . وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومىء إلى معنى حديث لم يصح على شرطه أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة ، ويورد في الباب ما يؤدي معناه بأمر ظاهر وتارة بأمر خفيّ ، من ذلك قوله : باب الأمراء من قريش . وهذا لفظ حديث يروى عن عليّ وليس على شرط البخاري ، وأورد فيه حديث لا يزال والٍ من قريش . وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معها أثرًا أو آية ، فكأنه يقول لم يصح في الباب شيء على شرطي ، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة ، اعتد مَن لم يمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض . وبالجملة فتراجمه حيّرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار ولقد أجاد القائل : أعيا فحول العلم حلّ رموز ما . . . أبداه في الأبواب من أسرار وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه المنقبة لما روي أنه بيضها بين قبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -