أحمد بن محمد القسطلاني

25

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ومنبره ، وأنه كان يصلي لكل ترجمة ركعتين . وأما تقطيعه للحديث واختصاره وإعادته له في الأبواب وتكراره فقال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في جواب المتعنت : اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ويستخرج منه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه ، وقلما يورد حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد ، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ يذكرها ، فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابيّ ثم يورده عن صحابيّ آخر ، والمقصود منه أن يخرج الحديث من حدّ الغرابة ، وكذا يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلمّ جرًّا إلى مشايخه ، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك ، لاشتماله على فائدة زائدة ، ومنها أنه صحح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معانٍ متغايرة ، فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأوّل ، ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة وبعضهم مختصرة فيرويها كما جاءت ليُزيل الشبهة عن ناقلها ، ومنها أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى آخر ، فيورده بطرقه إذا صحّت على شرطه ، ويفرد لكل لفظة بابًا مفردًا ، ومنها أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده ، وأورد الإرسال منبهًا على أنه لا تأثير له عنده في الموصول ، ومنها أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك ، ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلاً في الإسناد ونقصه بعضهم ، فيوردها على الوجهين ، حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدّثه به عن آخر ، ثم لقي آخر فحدّثه به ، فكان يرويه على الوجهين . ومنها أنه ربما أورد حديثًا عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرّحًا فيها بالسماع على ما عرف من طريقه في اشتراط ثبوت اللقاء من المعنعن . وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره على بعضه أخرى ، فلأنه إن كان المتن قصيرًا ومرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا ، فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدة حديثية وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك ، فيستفاد بذلك كثرة الطرق ، لذلك الحديث ، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا طريق واحد ، فيتصرَّف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولاً وفي آخر معلقًا وتارة تامًّا وأخرى مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب ، فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلّق لإحداها بالأخرى ، فإنه يخرّج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل ، وربما نشط فساقه بتمامه . وقد ذكر أنه وقع في بعض نسخ البخاري في أثناء الحج بعد باب قصر الخطبة بعرفة باب التعجيل إلى الموقف ، قال أبو عبد الله : يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب ، ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادًا ، وهذا كما قال في مقدمة الفتح يقتضي أنه لا يتعمد أن يخرّج في كتابه حديثًا معادًا بجميع إسناده ومتنه ، وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد وهو قليل جدًّا اه - . قلت وقد رأيت ورقة بخط الحافظ ابن حجر تعليقًا أحضرها إليّ صاحبنا الشيخ العلامة المحدّث البدر المشهدي نصها : نبذة من الأحاديث التي ذكرها البخاري في موضعين مسندًا ومتنًا ، حديث عبد الله بن مغفل " رمى إنسان بجراب فيه شحم " في آخر الخمس وفي الصيد والذبائح ، حديث " في نحر البدن في الحج " عن سهل بن بكار عن وهب ذكره في موضعين متقاربين ، حديث أنس " أصيب حارثة فقالت أمه في غزوة بدر وفي الرقاق " حديث " أن رجلين خرجا ومعهما مثل المصباحين " في باب المساجد وفي باب انشقاق القمر ، حديث أنس " أن عمر استسقى بالعباس " في الاستسقاء ومناقب العباس : حديث أبي بكرة " إذا التقى المسلمان " في باب وإن طائفتان في كتاب الإيمان وفي كتاب الديات ، حديث أبي جحيفة " سألت عليًّا هل عندكم شيء " في باب المقاتلة وفي باب لا يقتل مسلم بكافر . حديث حذيفة حدثنا حديثين أحدهما في باب رفع الأمانة من الرقاق وفي باب إذا بقي حثالة من الفتن . حديث أبي هريرة " في قول رجل من أهل البادية