أحمد بن محمد القسطلاني
219
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
على مذهب الكوفيين ( فقال بعضهم ) لبعض : والله ( لنسألنه ) عنها ( فقام رجل منهم فقال : يا أبا القاسم ما الروح ) ؟ وسؤالهم بقولهم ما الروح مشكل إذ لا يعلم مرادهم لأن الروح جاء في التنزيل على معانٍ منها القرآن وجبريل أو ملك غيره وعيسى ، لكن الأكثرون على أنهم سألوه عن حقيقة الروح الذي في الحيوان . وروي أن اليهود قالوا لقريش : إن فسر الروح فليس بنبي ، ولذا قال بعضهم لا تسألوه لا يجيء بشيء تكرهونه أي إن لم يفسره لأنه يدل على نبوّته وهم يكرهونها . ( فسكت ) رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما سألوه . قال ابن مسعود ( فقلت إنه يوحى إليه فقمت ) حتى لا أكون مشوّشًا عليه أو فقمت حائلاً بينه وبينهم ( فلما انجلى عنه ) أي انكشف عنه عليه الصلاة والسلام الكرب الذي كان يتغشاه حال الوحي ( فقال ) وفي رواية الأربعة قال : ( ويسألونك ) بإثبات الواو كالتنزيل وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر : يسألونك ( عن الروح قل الروح من أمر ربي ) أي من الإبداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل ، واقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء : 23 ] بذكر بعض صفاته إذ الروح لدقته لا تمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس ، فلذلك اقتصر على هذا الجواب ، ولم يبين الماهية لكونها مما استأثر الله بعلمها ، ولأن في عدم بيانها تصديقًا لنبوّة نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد كثر اختلاف العلماء والحكماء قديمًا وحديثًا في الروح وأطلقوا أعنّة النظر في شرحه وخاضوا في غمرات ماهيته ، والذي اعتمد عليه عامّة المتكلمين من أهل السُّنَّة أنه جسم لطيف في البدن سار فيه سريان ماء الورد فيه ، وعن الأشعري النفس الداخل الخارج . ( وما أُوتوا ) بصيغة الغائب في أكثر نسخ الصحيحين ( من العلم إلا ) علمًا أو إيتاء ( قليلاً ) أو إلا قليلاً منكم أي بالنسبة إلى معلومات الله تعالى التي لا نهاية لها ( قال الأعمش ) سليمان بن مهران : ( هكذا في ) وفي رواية الحموي والمستملي هكذا هي في ( قراءتنا ) أي أُوتوا بصيغة الغائب . قال ابن حجر : وقد أغفلها أبو عبيد في كتاب القراءات له من قراءة الأعمش اه - . وليست في طرق مجموعي المفرد في فنون القراءات عن الأعمش وهي مخالفة لخط المصحف وفي رواية وما أُوتيتم بالخطاب موافقة للمرسوم وهو خطاب عامّ أو خاصّ باليهود ، ويأتي البحث - إن شاء الله تعالى - في الروح في كتاب التفسير ، والله الموفّق والمعين والحمد لله وحده . 48 - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاِخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ ( باب من ) أي الذي ( ترك بعض الاختيار ) أي فعل الشيء المختار أو الإعلام به ( مخافة ) بغير تنوين أي لأجل خوف ( أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا ) نصب بإسقاط النون عطفًا على المضارع المنصوب بأن ( في أشد منه ) أي من ترك الاختيار وفي رواية الأصيلي في أشرّ بالراء ، وفي أخرى لأبي ذر عن الكشميهني في شرّ منه بالراء مع إسقاط الهمزة . 126 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيْرِ : كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا ، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الْكَعْبَةِ ؟ قُلْتُ : قَالَتْ لِي : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ : بِكُفْرٍ - لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ : بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ » . فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ . [ الحديث 126 - أطرافه في : 1583 ، 1584 ، 1585 ، 1586 ، 3368 ، 4484 ، 7243 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبيد الله ) بالتصغير ( ابن موسى ) العبسي مولاهم الكوفي ( عن إسرائيل ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي بفتح المهملة وكسر الموحدة نسبة إلى سبيع بن سبع ، المتوفى سنة ستين ومائة ( عن ) جده ( أبي إسحاق عن الأسود ) بن يزيد بن قيس النخعي أدرك الزمن النبوي وليست له رؤية ، وتوفي بالكوفة سنة خمس وسبعين أنه ( قال ) : ( قال لي ابن الزبير ) عبد الله الصحابي المشهور ( كانت عائشة ) رضي الله تعالى عنها ( تسرّ إليك ) أسرارًا ( كثيرًا ) من الإسرار ضد الإعلان ، وفي رواية ابن عساكر تسرّ إليك حديثًا كثيرًا . فإن قلت : قوله كانت للماضي وتسر للمضارع فكيف اجتمعا ؟ أجيب : بأن تسر تفيد الاستمرار وذكر بلفظ المضارع استحضارًا لصورة الإسرار . ( فما حدّثتك في ) شأن ( الكعبة ) ؟ قال الأسود : ( قلت ) وفي رواية أبي ذر فقلت ( قالت ليس قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم ) بتنوين حديث ورفع عهدهم على إعمال الصفة ( قال ) وفي رواية الأصيلي فقال ( ابن الزبير بكفر ) كان الأسود نسي قولها بكفر فذكره ابن الزبير ، وأما التالي الخ فيحتمل أن يكون مما نسي أيضًا أو مما ذكر ، ورواه الإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق بلفظ قلت حدّثني حديثًا حفظت أوله ونسيت آخره ، وللترمذي كالمؤلف في الحج بجاهلية