أحمد بن محمد القسطلاني

220

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بدل قوله بكفر ( لنقضت الكعبة ) جواب لولا ( فجعلت لها بابين باب يدخل ) منه ( الناس وباب يخرجون ) منه ولأبي ذر بابًا في الموضعين بالنصب على أنه بدل أو بيان لبابين وضمير المفعول محذوف من يدخل ويخرجون . وفي رواية الحموي والمستملي كما في فرع اليونينية إثبات ضمير الثاني يخرجون منه وهي منازعة الفعلين ( ففعله ) أي النقص المذكور والبابين ( ابن الزبير ) وهذه المرة الرابعة من بناء البيت ثم بناه الخامسة الحجاج ، واستمر . وقد تضمن الحديث معنى ما ترجم له لأن قريشًا كانت تعظم أمر الكعبة جدًّا فخشي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غير بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك . 49 - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا وَقَالَ عَلِيٌّ : حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ . هذا ( باب من خص بالعلم قومًا دون قوم ) أي سوى قوم لا بمعنى إلا دون ( كراهية ) بتخفيف الياء والنصب على التعليل مضاف لقوله ( أن لا يفهموا ) وأن مصدرية ، والتقدير لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم سوى القوم الذين خصّهم بالعلم . ولفظ " أن " ساقط للأصيلي ، وهذه الترجمة قريبة من السابقة لكنها في الأفعال وهذه في الأقوال ( وقال علي ) أي ابن أبي طالب رضي الله عنه ( حدّثوا ) بصيغة الأمر أي كلموا ( الناس بما يعرفون ) ويدركون بعقولهم ودعوا ما يشتبه عليهم فهمه ( أتحبون ) بالخطاب ( أن يكذب الله ورسوله ) لأن الإنسان إذا سمع ما لا يفهمه وما لا يتصوّر إمكانه اعتقد استحالته جهلاً فلا يصدق وجوده ، فإذا أسند إلى الله تعالى ورسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لزم ذلك المحذور ويكذب بفتح الذال على صيغة المجهول . 127 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عبيد الله ) بالتصغير ( ابن موسى ) العبسي مولاهم ، وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني حدّثنا به ( عن معروف بن خربوذ ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء المفتوحة وضم الموحدة آخره ذال معجمة مصروف باليونينية المكي مولى قريش ضعفه ابن معين ، وليس له عند المؤلف سوى هذا الحديث وسقط في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي لفظ ابن خربوذ ، ( عن أبي الطفيل ) بضم الطاء وفتح الفاء عامر بن واثلة وهو آخر الصحابة موتًا ( عن عليّ بذلك ) وللأصيلي زيادة ابن أبي طالب أي بالأثر المذكور ، وهذا الإسناد من عوالي المؤلف لأنه يلتحق بالثلاثيات من جهة أن الراوي الثالث ، وهو أبو الطفيل صحابي ، وأخّر المؤلف هنا السند عن المتن ليميز بين طريقة إسناد الحديث وإسناد الأثر أو لضعف الإسناد بسبب ابن خربوذ أو للتفنّن وبيان الجواز ، ومن ثم وقع في بعض النسخ مقدمًا وقد سقط هذا الأثر كله من رواية الكشميهني . 128 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : يَا مُعَاذُ . قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ( ثَلاَثًا ) . قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ : إِذًا يَتَّكِلُوا » . وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا . [ الحديث 128 - طرفه في : 129 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ) بن راهويه ( قال : حدّثنا ) وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي أخبرنا ( معاذ بن هشام ) أي ابن أبي عبد الله الدستوائي ، المتوفى بالبصرة سنة مائتين ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( أبي ) هشام ( عن قتادة ) بن دعامة أنه ( قال : حدّثنا أنس بن مالك ) رضي الله عنه . ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومعاذ ) أي ابن جبل ( رديفه ) أي راكب خلفه ( على الرحل ) بفتح الراء سكون الحاء المهملتين وهو للبعير أصغر من القتب ، وعند المؤلف في الجهاد أنه كان على حمار ( قال يا معاذ بن جبل ) بضم معاذ منادى مفرد علم ، واختاره ابن مالك لعدم احتياجه إلى تقدير ونصبه على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب كأنه أضيف ، وهذا اختاره ابن الحاجب والنادى المضاف منصوب فقط ( قال ) أي معاذ ( لبيك يا رسول الله وسعديك ، قال ) عليه الصلاة والسلام : ( يا معاذ . قال ) معاذ : ( لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا ) يعني أن نداءه عليه الصلاة والسلام لمعاذ وإجابة معاذ قيل ثلاثًا ( قال : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) شهادة ( صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار ) والجار والمجرور الأول وهو من قلبه يتعلق بقوله صدقًا أو بقوله يشهد ، فعلى الأول الشهادة لفظية أي يشهد بلفظه ويصدق بقلبه ، وعلى الثاني قلبية أي يشهد بقلبه ويصدّق بلسانه واحترز به عن شهادة المنافقين . فإن قلت : إن ظاهر هذا يقتضي عدم دخول