أحمد بن محمد القسطلاني
21
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددًا مما انتقد على مسلم . وأما الجواب عما انتقد عليه ، فاعلم أنه لا يقدح في الشيخين كونهما أخرجا لمن طعن فيه ، لأن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ، لا سيما وقد انضاف إلى ذلك إطباق الأمة على تسميتهما بالصحيحين ، وهذا إذا خرج له في الأصول ، فإن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فتتفاوت درجات من أخرج له في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم ، فإذا وجدنا مطعونًا فيه فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام ، فلا يقبل التجريح إلا مفسّرًا بقادح يقدح فيه ، أو في ضبطه مطلقًا أو في ضبطه بخبر بعينه ، لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح . وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة ، يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه . وأما الأحاديث التي انتقدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل موضوع الصحيح ، فإن جميعها واردة من جهة أخرى ، وقد علم أن الإجماع واقع على تلقي كتابيهما بالقبول والتسليم ، إلا ما انتقد عليهما فيه . والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أنه لا ريب في تقديم الشيخين على أئمة عصرهما ، ومن بعده في معرفة الصحيح والمعلل ، وقد روى الفربريّ عن البخاري أنه قال : ما أدخلت في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وثبتت صحته . وقال مكّي بن عبدان : كان مسلم يقول عرضت كتابي على أبي زرعة ، فكل ما أشار إليّ أن له علة تركته . فإذا علم هذا وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة ، إلا أنها غير مؤثرة ، وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون كلامه معارضًا لتصحيحهما ، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما ، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة . وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم إلى ستة أقسام : أوّلها : ما تختلف الرواية فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد ، فإن أخرج صاحب الحديث الصحيح الطريق المزيدة وعلّله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود ، لأن الراوي إن كان سمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع ، والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعلّ الصحيح ، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صحّحه المصنف ، فينظر إن كان مدلسًا من طريق أخرى ، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به ، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا ، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع وعاضد ، وما حفته قرينة في الجملة تقويه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع . وفي البخاري ومسلم من ذلك حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس في قصة القبرين ، وأن أحدهما كان لا يستبرىء من بوله ، قال الدارقطني : خالف منصور فقال عن مجاهد عن ابن عباس ، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاطه طاوسًا انتهى . وهذا الحديث أخرجه البخاري في الطهارة عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير ، في الأدب عن محمد بن سلام عن عبيدة بن حميد كلاهما عن منصور به ، ورواه من طرق أخرى عن حديث الأعمش ، وأخرجه باقي الأئمة الستة من حديث الأعمش أيضًا ، وأخرجه أبو داود أيضًا والنسائي وابن خزيمة في صحيحه من حديث منصور أيضًا ، وقال الترمذي بعد أن أخرجه : رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس ، وحديث الأعمش أصح يعني المتضمن للزيادة ، قال الحافظ ابن حجر : وهذا في التحقيق ليس بعلّة ، لأن مجاهدًا لم يوصف بالتدليس وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة الأحاديث ، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش مع أن الأعمش أيضًا من الحفاظ ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة ، والإسناد كيفما دار كان متصلاً . فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسًا ، وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا ولم يستوعب الدارقطني انتقاده . ثانيها : ما تختلف الرواة فيه بتغيير بعض الإسناد ،