أحمد بن محمد القسطلاني
22
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما ، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد كما في البخاري في بدء الخلق من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصور جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، قال : " كنّا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في غار فنزلت والمرسلات " قال الدارقطني لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة ، أما عن منصور فتابعه شيبان عنه ، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم عنه انتهى . وقد حكى البخاري الخلاف فيه وهو تعليل لا يضر ، وإن امتنع الجمع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متفاوتين في الحفظ والعدد ، فيخرج المصنف الطريق الراجحة ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها ، والتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح ، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف ، وحينئذ فينتفي الاعتراض عما هذا سبيله ، وفي البخاري في الجنائز من هذا الثاني حديث الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر : أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يجمع بين قتلى أُحُد ويقدم أقرأهم . قال الدارقطني رواه ابن المبارك عن الأوزاعي عن الزهري مرسلاً ، ورواه معمر عن الزهري عن ابن أبي صعير عن جابر ، ورواه سليمان بن كثير عن الزهري حدّثني من سمع جابرًا وهو حديث مضطرب انتهى ، قال الحافظ ابن حجر : أطلق الدارقطني القول بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه بأن يفسر المبهم بالذي في رواية الليث ، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين . وأما رواية الأوزاعي المرسلة فقصر فيها بحذف الواسطة ، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه ، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف فيه ، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن الليث والأوزاعي جميعًا عن الزهري ، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب وأثبته الليث وهما في الزهري سواء ، وقد صرّحا بسماعهما له منه ، فقيل زيادة الليث لثقته ، ثم قال بعد ذلك ورواه سليمان بن كثير عن الزهري عمن سمع جابرًا ، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في الجملة ، وتأكيد رواية الليث بذلك ، ولم نرها علة توجب اضطرابًا . وأما رواية معمر فقد وافقه عليها سفيان بن عيينة فرواه عن الزهري عن ابن أبي صعير ، وقال ثبتني فيه معمر فرجعت روايته إلى رواية معمر . ثالثها : ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها ، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا نعم إن صح بالدلائل أن تلك الزيادة مدرجة من كلام بعض رواته فيؤثر ذلك . رابعها : ما تفرّد به بعض الرواة ممن ضعف منهم ، وليس في البخاري من ذلك غير حديثين ، وقد توبعا أحدهما حديث أُبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جدّه قال : كان للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرس يقال له اللخيف . قال الدارقطني هذا ضعيف انتهى . وهو ابن سعد الساعدي الأنصاري الذي ضعفه أحمد وابن معين ، وقال النسائي ليس بالقوي ، لكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن عباس وروى له الترمذي وابن ماجة ، وثانيهما في الجهاد من البخاري في باب : إذا أسلم قوم في دار الحرب . حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه ، أن عمر استعمل مولى له يسمى هنيًا على الحمى الحديث بطوله ، قال الدارقطني إسماعيل ضعيف . قال الحافظ ابن حجر أظن أن الدارقطني إنما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيل خاصة وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاري ، لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرد بهذا ، فإن كان كذلك فلم ينفرد بل تابعه عليه معن بن عيسى فرواه عن مالك كرواية إسماعيل سواء . خامسها : ما حكم فيه بالوهم على بعض رواته فمنه ما يؤثر ومنه ما لا يؤثر . سادسها : ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن ، فهذا لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو الترجيح ، كحديث جابر في قصة الجمل وحديثه في وفاء دين أبيه ، وحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين . وربما يقع التنبيه على شيء من هذه الأقسام