أحمد بن محمد القسطلاني

20

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع ، وإن كان للصحاب راويان فصاعدًا فحسن ، وإن لم يكن له إلاّ راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه . ثم قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ الأديب الشيرازي بنيسابور ، قال : قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله يعني الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل القسم الأوّل : من المتفق عليه اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح . ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور ، وله رواة من الطبقة الرابعة . ثم يكون شيخ البخاري ومسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة ، فهذه الدرجة من الصحيح اه - . وتعقب ذلك الحافظ ابن طاهر فقال : إن الشيخين لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك ، والحاكم قدّر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن ، ولعمري إنه لشرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما ، إلا أنّا وجدنا هذه القاعدة التي أسّسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا ، فمن ذلك في الصحابيّ أن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلميّ ، يذهب الصالحون أوّلاً فأوّلاً ، وليس لمرداس راوٍ غير قيس . وأخرج مسلم حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب ، ولم يرو عنه غير ابنه سعيد . وأخرج البخاري حديث الحسن البصريّ عن عمرو بن تغلب " إني لأعطي الرجل والذي أدع أحبّ إليّ " الحديث . ولم يرو عن عمرو غير الحسن في أشياء عند البخاري على هذا النحو . وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغر المزني " إنه ليغان على قلبي " ولم يرو عنه غير أبي بردة في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر ، ليعلم أن القاعدة التي أسّسها الحاكم لا أصل لها . ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم وبمن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربى على كتابه المدخل ، إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يفيد فائدة اه - . وقال الحافظ أبو بكر الحازمي : هذا الذي قاله الحاكم قول من لم يمعن الغوص في خبايا الصحيح ، ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة لدعواه ، وقد اتفق الأمة على تلقي الصحيحين بالقبول ، واختلف في أيّهما أرجح . وصرّح الجمهور بتقديم صحيح البخاري ، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقضه . وأما ما نقل عن أبي عليّ النيسابوري أنه قال ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم ، فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري ، لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم ، إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة ، يمتاز بتلك الزيادة عليه ولم ينفِ المساواة . كذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري ، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب . ولم يفصح أحد بأن ذلك راجع إلى الأصحّيّة ، ولو صرّحوا به لرد عليهم شاهد الوجود ، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب مسلم أتمّ منها في كتاب البخاري وأشد ، وشرطه فيها أقوى وأسد . أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة ، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة ، وألزم البخاري بأنه يحتاج أن لا يقبل المعنعن أصلاً ، وما ألزمه به ليس بلازم ، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته احتمال أن لا يكون سمع ، لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسه ، والمسألة مفروضة في غير المدلس . وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط ، فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددًا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم ، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم وميز جيدها من موهومها ، بخلاف مسلم ، فإن أكثر من تفرّد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدّم عصره من التابعين ومن بعدهم ، ولا ريب أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدّم عنهم . وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال