أحمد بن محمد القسطلاني

154

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

مالك الملوك في الآخرة ، كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا ، وحقيقته النظر في تصفية القلب وتهذيب النفس باتّقاء الأخلاق الذميمة التي ذمّها الشارع كالرياء والعجب والغش وحب العلو والثناء والفخر والطمع ، ليتصف بالأخلاق الحميدة المحمدية كالإخلاص والشكر والصبر والزهد والتقوى والقناعة ، ليصلح عند أحكامه ذلك لعلمه بعلمه ليرث ما لم يعلم ، فعلمه بلا عمل وسيلة بلا غاية وعكسه جناية وإتقانهما بلا ورع كلفة بلا أجرة ، فأهم الأمور زهد واستقامة لينتفع بعلمه ومحمله ، وسأشير إلى نبذة منثورة في هذا الكتاب من مقاصد هذا النوع إن شاء الله تعالى بألطف إشارة ، وأعبر عن مهماته الشريفة بأرشق عبارة جميعًا لفرائد الفوائد . وأما النوع الثاني : فهو علم المكاشفة وهو نور يظهر في القلب عند تزكيته فتظهر به المعاني المجملة فتحصل له المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وكتبه ورسله ؛ وتنكشف له الأستار عن مخبآت الأسرار فافهم . وسلم تسلم ، ولا تكن من المنكرين تهلك مع الهالكين . قال بعض العارفين : من لم يكن له من هذا العلم شيء أخشى عليه سوء الخاتمة وأدنى النصيب منه التصديق به وتسليمه لأهله ، والله تعالى أعلم . 2 - باب مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ( باب من سئل ) بضم السين وكسر الهمزة ( علمًا ) بالنصب مفعول ثانٍ ( وهو مشتغل في حديثه ) جملة وقعت حالاً من الضمير ، ( فأتم الحديث ثم أجاب السائل ) عطفه بثم لتراخيه . 59 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ . ح . وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ : مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُ . فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ لَمْ يَسْمَعْ . حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ : أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ : هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : « فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » . قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا ؟ قَالَ : « إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ » . [ الحديث 59 - طرفه في : 6496 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا محمد بن سنان ) بكسر السين المهملة وبالنونين أبو بكر البصري ( قال : حدّثنا فليح ) بضم الفاء وفتح اللام وبسكون المثناة التحتية وفي آخره حاء مهملة وهو لقب له واسمه عبد الملك وكنيته أبو يحيى ( ح ) . قال البخاري : ( وحدّثني ) بالإفراد ، وفي رواية ابن عساكر قال : وحدّثنا ( إبراهيم بن المنذر ) المدني ( قال : حدّثنا محمد بن فليح ) المذكور ( قال : حدّثني ) بالإفراد وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت : حدّثنا . ( أبي ) فليح ( قال : حدّثني ) بالإفراد ( هلال بن علي ) ويقال له هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وهلال بن أسامة نسبة إلى جده وقد يظن أنهم أربعة والكل واحد ( عن عطاء بن يسار ) مولى ميمونة بنت الحرث ( عن أبي هريرة ) عبد الرحمن بن صخر أنه ( قال ) : ( بينما ) بالميم ( النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في مجلس يحدث القوم ) أي الرجال فقط أو والنساء تبعًا لأن القوم شامل للرجال والنساء ( جاءه ) أي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أعرابي ) الأعراب سكان البادية لا واحد له من لفظه ولم يعرف اسمه نعم سماه أبو العالية فيما نقله عنه البرماوي رفيعًا ، وفيه استعمال بينما بدون إذ وإذا وهو فصيح ( فقال : متى الساعة ) استفهام عن الوقت التي تقوم فيه ( فمضى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحدث ) أي القوم ، وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر عن المستملي والحموي والكشميهني يحدّثه بالهاء أي يحدّث القوم الحديث الذي كان فيه فلا يعود الضمير المنصوب على الأعرابي ( فقال بعض القوم : سمع ) عليه الصلاة والسلام ( ما قال فكره ما قال ) أي الذي قاله فحذف العائد ( وقال بعضهم : بل لم يسمع ) قوله ، وبل حرف إضراب وليه هنا جملة وهي لم يسمع فيكون بمعنى الإبطال لا العطف ، والجملة اعتراض بين فمضى وبين قوله ( حتى إذا قضى ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( حديثه ) فحتى إذا يتعلق بقوله فمضى يحدث لا بقوله لم يسمع ، وإنما لم يجبه عليه الصلاة والسلام لأنه يحتمل أن يكون لانتظار الوحي أو يكون مشغولاً بجواب سائل آخر ، ويؤخذ منه أنه ينبغي للعالم والقاضي ونحوهما رعاية تقدم الأسبق فالأسبق ، ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( أين أراه ) بضم الهمزة أي أظن أنه قال أين ( السائل عن الساعة ) أي عن زمانها ، والشك من محمد بن فليح ولم يضبط همزة أراه في اليونينية ، وفي رواية أين السائل وهو في الروايتين بالرفع على الابتداء وخبره أين المتقدم وهو سؤال عن المكان بني لتضمنه حرف الاستفهام . ( قال ) الأعرابي : ( ها أنا ) السائل ( يا رسول الله ) فالسائل المقدر خبر المبتدأ الذي هو أنا