أحمد بن محمد القسطلاني

155

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

وها حرف تنبيه ( قال ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قال ) الأعرابي : ( كيف إضاعتها ؟ قال ) عليه الصلاة والسلام مجيئًا له : ( إذا وسد ) بضم الواو وتشديد السين أي جعل ( الأمر ) المتعلق بالدين كالخلافة والقضاء والإفتاء ( إلى غير أهله ) أي بولاية غير أهل الدين والأمانات ( فانتظر الساعة ) : الفاء للتفريع أو جواب شرط محذوف ، أي : إذا كان الأمر كذلك فانتظر الساعة ، ولا يقال هي جواب إذا وسد لأنها لا تتضمن هنا معنى الشرط . وقال ابن بطال فيه : إن الأئمة ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصح ، وإذا قلدوا الأمر لغير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانات ، وفيه : أن الساعة لا تقوم حتى يؤتمن الخائن ، وهذا إنما يكون إذا غلب الجهّال وضعف أهل الحق عن القيام به ونصرته ، وفيه وجوب تعليم السائل لقوله عليه الصلاة والسلام : أين السائل ، وفيه مراجعة العالم عند عدم فهم السائل لقوله : كيف إضاعتها ، وهو ثمانيّ الإسناد ورجاله كلهم مدنيون مع التحديث بالإفراد والجمع والعنعنة ، وأخرجه المصنف أيضًا في الرقاق مختصرًا وهو مما انفرد به عن بقية الكتب الستة . 3 - باب مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْعِلْمِ ( باب من ) أي الذي ( رفع صوته بالعلم ) أي بكلام يدل على العلم فهو من باب إطلاق اسم المدلول على الدال ، وإلاّ فالعلم صفة معنوية لا يتصوّر رفع الصوت به . 60 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : « وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ » . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا . [ الحديث 60 - طرفاه في : 96 ، 163 ] . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا أبو النعمان عارم بن الفضل ) واسمه محمد وعارم لقبه السدوسي البصري المتوفى سنة ثلاث أو أربع وعشرين ومائتين ، وسقط عند ابن عساكر والأصيلي وأبي ذر عارم بن الفضل ( قال : حدّثنا أبو عوانة ) بفتح العين المهملة الوضاح اليشكري ( عن أبي بشر ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن إياس اليشكري عرف بابن وحشية الواسطي الثقة المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة ، ( عن يوسف ) بتثليث السين المهملة مع الهمز وتركه ( ابن ماهك ) بفتح الهاء غير منصرف للعلمية والعجمة لأن ماهك بالفارسية تصغير ماه وهو القمر بالعربي ، وقاعدتهم إذا صغّروا الاسم جعلوا في آخره الكاف ، وفي رواية الأصيلي ماهك بالصرف لأنه لاحظ فيه معنى الصفة ، لأن التصغير من الصفات ، والصفة لا تجامع العلمية لأن بينهما تضادًّا ، وحينئذ يصير الاسم بعلة واحدة وهي غير مانعة من الصرف ، وروي بكسر الهاء مصروفًا اسم فاعل من مهكت الشيء مهكًا إذا بالغت في سحقه ، وعلى قول الدارقطني : إن ماهك اسم أمه يتعين عدم صرفه للعلمية والتأنيث ، لكن الأكثرون على خلافه وأن اسمها مسيكة ابنة بهز بضم الموحدة وسكون الهاء وبالزاي الفارسي المكي المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائة ، وقيل غير ذلك ( عن عبد الله بن عمرو ) أي ابن العاصي رضي الله عنهما . ( قال تخلف ) أي تأخر خلفنا ( النبي ) ولأبي ذر تخلّف عنّا النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سفرة سافرناها ) من مكة إلى المدينة كما في مسلم ( فأدركنا ) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أي لحق بنا وهو بفتح الكاف ( وقد أرهقتنا ) بتأنيث الفعل أي غشيتنا ( الصلاة ) بالرفع على الفاعلية أي وقت صلاة العصر كما في مسلم ، وفي رواية أرهقنا بالتذكير وسكون القاف لأن تأنيث الصلاة غير حقيقي والصلاة بالنصب على المفعولية أي أخّرناها وحينئذ فنا ضمير رفع ، وفي الرواية الأولى ضمير نصب ( ونحن نتوضأ ) جملة اسمية وقعت حالاً ( فجعلنا ) أي كدنا ( نمسح ) أي نغسل غسلاً خفيفًا أي مبقعًا حتى يرى كأنه مسح ( على أرجلنا ) جمع رجل لقابلة الجمع ، وإلاّ فليس لكل إلا رجلان ، ولا يقال يلزم أن يكون لكل واحد رجل واحدة لأنّا نقول : المراد جنس الرجل سواء كانت واحدة أو اثنتين ، ( فنادى ) عليه الصلاة والسلام ( بأعلى صوته : ويل ) بالرفع على الابتداء وهي كلمة عذاب وهلاك ( للأعقاب ) المقصرين في غسلها أو العقب هي المخصوصة بالعقوبة ( من النار مرتين أو ثلاثًا ) شك من ابن عمرو ، وأل في الأعقاب للعهد ، والمراد الأعقاب التي رآها لم ينلها المطهر ، ويحتمل أن لا يختصّ بتلك الأعقاب المرئية له ، بل المراد كل عقب لم يعمها الماء فتكون عهدية جنسية . 4 - باب قَوْلِ الْمُحَدِّثِ " حَدَّثَنَا " أَوْ " أَخْبَرَنَا " وَ " أَنْبَأَنَا " وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ : كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا وَأَنْبَأَنَا وَسَمِعْتُ وَاحِدًا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ . وَقَالَ شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَةً . وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثَيْنِ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ . وَقَالَ أَنَسٌ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ . ( باب قول